تحولات الألوان والخطوط في أعمال عصام عبد الإله

جاسم عاصي..
الفنان عصام عبد الإله من خلال ممارساته للرسم، وعبر معروضاته ضمن المعارض، يمتلك ميلاً إلى تغيير مفردات بنية اللوحة. ونقصد في هذا إعادة النظر في تركيب مكوناتها. ولعل ما يشفع له في مثل هذه الممارسة؛ إنه شديد العناية بتركيب الألوان وصياغة مبناها، من حيث ألفتها واشتقاقاتها، حتى أنه يميل إلى الزخرفة اللونية، مقترباً من الحس الشعبي، الذي يهتم كثيراً بتنوع الأشكال الهندسية على رقعة تشكيلته اللونية في البُسط الشعبية.
فالصناعة الشعبية حرفة، لكنها تأخذ من المخيال الشعبي صيرورته لتضفيها على لوحة البساط. والفنان هنا يدرس اللون واشتقاقاته، ويهتم بهندسة مكونات لوحته، كما لو أنه يستعير مخيال الفنان الشعبي، ليضيف البهجة التي تصوغ الألوان والرؤى الهندسية تشكلها. فهي ليست موجودات عشوائية، وإنما تأخذ بمبدأ التناظر والتواؤم والتوازن. والفنان في ما يحاكي من مفردات، الغرض منه توسيع مجال توظيف الخيال لكي يصوغ مفردات جديدة. فالألوان في لوحته شهدت مجموعة حركات في مواضعها، كذلك في فعل زحزحة المجال كي تُعطي مآلاً تعبيرياً يوحي ويقود إلى القراءة التأويلية البصرية. وهذا بطبيعة الحال يُجدد حيوية اللوحة بشكلها العام، وينمي فعلها التكويني، لأنها نص بمواجهة التلقي.
إن ما يتخذه الفنان ضمن كل لوحة، هو مبدأ الأخذ بنظر الاعتبار طبيعة المتغير في المشهد من جهة، وتغير الرؤى من جهة ثانية، كذلك تغير المعرفة من جهة ثالثة. فالفنان هنا تواق إلى إضفاء تشكيلة جديدة ذات مفردات أكثر حيوية. ولعل الانسجام الهرموني من الخصائص المركزية في لوحته، فالخطوط والألوان تتحرك وفق (فيكَر) مركزي، ليست عائمة في فضاء تجريبي، يحتمل أكثر من نتيجة موضوعية. إن مركزية السطح تُعد من أكثر المكونات في تشكيل اللوحة، لأنه أساساً يرتبط بالفكر، أو المتداول المعرفي. إن الفنان يمتلك مجالات متعددة، تنتج اختيارات متعددة، لكنها مدروسة، بسب تشكلها وفق مركزية فكرية متأتية من معرفة، ونحن إذ نتابع الفنان في نشاطات معروضاته، نجده لا يستقر على تشكيل بنيوي ثابت، بقدر ما يحاول استكناه الذات، ومعرفة حس الآخر. وهذا ما يُشكل مكوناً عاما يُحدد خطوات مدروسة ومنعكسة على لوحاته. فالتآلف والانسجام يوحي بتشكل جمالي خالص.
أما الرمز، فقد وجد له مجالاً في تشكل اللوحة. ورموز عصام عبد الإله رموز بيئية، ذات بُعد دلالي قديم. وهي رموز تحاكي ظاهرة التخصيب في البيئة، محاولاً العبور به كبنية دلالية إخصابيه في الواقع. وهي في مجملها رموز مائية، ترتبط بما هو رمز إخصابي مركزي هو النهر، بكل مكوناته ومحمولاته. مثل (الأسماك، قطع الأعشاب، جريان المياه، الضفاف، العمق). هذه الدالات تآلفت مع الإنسان الأول، وسيّرت حياته، فالسمكة رمز قوي كبنية، لأنه لا يشكل عنصراً يُحقق ذات الإنسان فحسب، بل إن دلالته الأبعد ما يذهب إليه الفنان، وذلك لارتباط وجود السمكة مع وجود المياه، والمياه بوجود النهر وما حوله، وهذه كلها تكشف صورة حركة الزمن. فالنهر مكان (حيز) وحركة مياهه زمان. لذا نجد الفنان يختار بتلقائية إبداعية أهم عنصر (رمز) في الحضارات القديمة، ليقدمه تمثيلاً موضوعياً بما يوفر له تشكيل دلالات جديدة عبر صياغة جديدة، وانسجام جديد مع مفردات أخرى في تشكيل اللوحة.



