ثقافية

الهوية القُطرية للفيلم الفلسطيني

 

سليم البيك..

يكون الفيلم فلسطينياً باعتبارات محدودة. يعنينا منها، في هذه الأسطر: الشخصيات. فالفيلم في قسم أساسي منه حكاية، والحكاية تصنعها الشخصيات، الحكاية علاقات وتناقضات وتفاعلات الشخصيات بينها وبين بعضها، ومتى تكون هذه فلسطينية تكون الحكاية كذلك، ويكونه الفيلم وبمعزل عن جنسية صانعه.

تُعطى، عادة، أمثلةٌ لمخرجين غير فلسطينيين للقول بفلسطينية أفلامهم، ففلسطين حالة نموذجية هنا، هي قضية وفكرة، هي مسألة إنسانية وليست وطنية بالمعنى المحدود للدول «المستقلة» وذات الهوية القُطرية المحددة، في العالم. منذ سنوات الثورة الفلسطينية في السبعينيات، حتى اليوم، توالت الأفلام (الوثائقية تحديداً) التي صنعها غير فلسطينيين، وتكون «فلسطينية» بانتمائها للقضية الحاضنة

تأسست هذه الميزات منذ أفلام الثورة الفلسطينية في السبعينيات، وتحولت في أشكالها مع تحول طبيعة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، ظاهرةً في هذه الأفلام. يمكن لجغرافيا المخيمات والمدن في الضفة والقطاع، لطبيعة القرى والمدن في الـ48، لصورة دائمة الحضور للجدار العالي ولزي الجندي الإسرائيلي، وللحاجز وصفّ السيارات الطويل العالق أمامه، لاشتباكات بحجارة، لكوفية وملثمين مسلحين، لهروب وقفز، للسجون السياسية، لحوارات شعاراتية حامية ومفتعَلة، وغيرها من العلامات الفارقة، يمكن لها أن تشي بهوية الفيلم الفلسطيني لأي مشاهد عارف بحدود أدنى في السينما والسياسة والعالَم من حوله.

هذه السطوة للعلامات الفارقة الفلسطينية، لم تتسبب بها جودةُ الأفلام، بل ما هو النقيض من ذلك، فالجودة بأفلام نوعية وإن قليلة، تُلصق الميزات في ذهن المُشاهد، أما السطوة للميزات الفلسطينية فتسبب بها التكرار المتناسِخ في أفلام فلسطينية بالكاد يخلو أحدها من واحدٍ، أو كل «الميزات» المذكورة، عرَضاً أعلاه. يكفي أن يشاهد أحدهم ثلاثة أفلام فلسطينية أو أربعة، ليَخرج بالـ»كود» الذي يدله على تحديد ماهية الفيلم الفلسطيني، و»الكود» هذا مبني على صور، كأنها وسوم: #جدار، #جندي، #حاجز… تحدد الوسومُ العشوائية والبارزة، الصورةَ العامة للفيلم الفلسطيني، أو لما «يجب أن يكون عليه» الفيلم الفلسطيني، كأنها محددات تُسقط صفة «الفلسطيني» عما دونها. فيلتف الفيلم بكامله حولها، يتمحور بحكايته وشخصياته حولها بتناسخ شبه مطابق بين هذا الفيلم وذاك، ما يجعلها كلها فيلماً فلسطينياً واحداً طويلاً يدور في حلقة مفرغة من الأحداث والصور، فلا تتطور الحكاية، ولا تتمايز الشخصيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى