ثقافية

لوحات “السلويت” للتشكيلي قاسم الناصري ومحنة اللون الواحد

 

المراقب العراقي / المحرر الثقافي…

يرى الناقد رحيم يوسف ان لوحات “السلويت” للتشكيلي قاسم الناصري هي إشارات محبة لمن جسد صورهم على الرغم من محنة اللون الواحد الذي يستخدمه في رسوماته.

وقال يوسف في قراءة نقدية (المراقب العراقي): منذ سنوات ليست بالقليلة ، عمد الفنان قاسم الناصري الى التخصص في فن البورتريت ( السلويت ) بعد ان خاض تجربة الرسم بكافة طرقه ومدارس المعروفة ، متحديا ذاته في هذا المسار ، ليقوم بتجسيد العديد من الشخصيات الفاعلة في المجتمع العراقي على كافة الاصعدة ، دون مقابل مادي يديم بها حياته ، معتبرا تلك الرسومات تلويحات محبة لمن جسد صورهم .

وأضاف: منذ انطلاق فن الرسم وتحولاته عبر السنوات الطويلة التي عرفتها البشرية وحتى اليوم بحسب معرفتي البسيطة ، لم يغامر فنان بالتخصص برسم البورتريه ، ربما بسبب محدودية الحرية التي تتيح للفنان التحرك على قماشة الرسم او اي وسط آخر ، هذه المهمة الشاقة التي تصدى لها الساحر موديلياني ، ولم يغامر في دخولها الا اعداد محدودة من الفنانين كتخصص ثابت حتى نهاية أعمارهم الفنية ، ففي اوقات متفرقة يقوم الكثير من الفنانين التشكيليين برسم الوجوه ( البورتريه ) وتتباين قدرات الجميع في ذلك كما هو معروف ، ولعل ايام الدراسات الأكاديمية او الفنية هي الفترة الابرز للقيام بذلك ، وفي الفن التشكيلي العراقي تخصص البعض من الفنانين لرسم ( البورتريه ) لاسباب  تجارية برزت فيها قدرات البعض الفنية .

وتابع: وفي الجانب الاخر تخصص بعضهم في رسم البورتريت متخذا منه اسلوبا فنيا داب في الاشتغال عليه لسنوات ليست بالقليلة ، ومنهم الفنان التشكيلي قاسم الناصري  ومع محدودية هذا الأسلوب فنيا ، الا ان الناصري اختط له مسارا في هذا الفن عبر انتهاج اسلوب السلويت ، وهو اسلوب معروف عالميا منذ أن ابتدعه الفنان الفرنسي إتيان دو سلويت  (Etienne de Silhouette) حيث كان وزيراً للمالية في فترة القرن الثامن عشر ، وهو فن الخيال ، ويعتبر من أنواع الفنون التي تعتمد على استخدام اللون الأسود على خلفية بيضاء ، وذلك لإظهار حدود الشكل الخارجية  وفي كثير من الأحيان يُطلق على فن السلويت اسم التصوير التضادي  لأن عملية تنفيذه تتم بطريقة عكسية ومعاكسة للرسم والإضاءة ، وهذا الفن يعتمد بشكل أساسي على استخدام أدوات بسيطة مثل الورقة البيضاء والمقص والورقة السوداء ، كما أن تنفيذه يكون سريعا ، وقد تم استخدامه في الفن الفوتوغرافي وفي فن الكرافيك على نطاق واسع لاحقا وانتشر في العديد من دول العالم .

بحسب ماريون بودي ايفانز  فإنه ( يمكن استخدام اللوحة أحادية اللون لتأثير دراماتيكي لنقل البساطة أو السكون أو التباين أو النقاء أو أي معنى آخر. يمكن استخدام ظلال مختلفة من لون واحد ولكن بحكم التعريف يجب أن تحتوي على لون أساسي واحد فقط ) من هنا تصبح محنة  الفنان قاسم الناصري كبيرة وشائكة ومعقدة ، لانه يخوض في عملية استخدام اللون الواحد وليس ثمة درجات في ذلك اللون يمكنه التحرك من خلالها اثناء عملية الخلق ، ومحنته تتعلق باللون الأسود الذي لايمكن الخروج بدرجات منه في فن السلويت .

 وأوضح :يفرض الاسلوب قدرات فنية استثنائية على المشتغل فيه لان الاستمرارية تحتاج إلى فهم متقدم لنسب الظل والضوء وقدرة كبيرة على التخطيط ، لان عملية الرسم ابتداءا بحاجة لتحديد الملامح العامة ، ولانه لايعمد الى طباعة الصور على الخامات كما يفعل العديد من رسامي البورتريه ، تصبح عملية الرسم اكثر تعقيدا ، ولربما اكثر تحديا فيخوض فيها بالكثير من المجازفة المحسوبة نتائجها سلفا بالنسبة له .

وأشار الى ان الناصري الذي يعمل على رسم البوتريت بأسلوب السلويت منذ سنوات ، بعد ان اقتصر العمل عليه في فن الفوتوغراف ، ومع ان الاسلوب هو ذاته في الفوتوغراف والرسم ، الا انه في الرسم اكثر صعوبة   لاسباب ليست خافية على المتخصص في الفن ، احيانا يقوم الفنان التشكيلي بتطويع دراسته للفن ، في غير المجال الذي درسه اساسا ، ولا خلاف في ذلك لانه يصب في ذات الاتجاه  في مسعاه للبحث عن قيم الجمال فنيا ، فلانه درس النحت والنحت كما هو معروف بالعمل على تجسيد علاقة الكتلة بالفراغ والعمل من خلالها ، وهي ثنائية استعاظ عنها او وظفها بوعي او دون وعي بثنائية مختلفة بالتطبيق متشابهة بالمسمى واعني ثنائية اللون الأسود والابيض وتجاوراتهما على السطح التصويري ، وهي التي اصبحت محط  اهتمامه في السنوات الاخيرة كتخصص في رسم البورتريه ، وذلك ما افاده كثيرا في السنوات الاخيرة بعد تفرغه للبورتريه كليا .

وبين :يعمد الناصري الى إيجاد حلول للوجوه المفرغة من تفاصيل ملامحها الصغيرة لخلق حالة من التشابه فيما بينها ، ولأنها فاقدة للعاطفة عبر إضاعة تلك الملامح الا انه بذات الوقت يبث فيها نوعا من الحس المستل من عاطفته عبر تنويعات شكلية ، بين عمل وآخر  بحرفنة لافتة ، تلك التنويعات التي تدور في ذات الفلك الضيق الذي يتحرك فيه ، عبر مبادلة الادوار للون الوحيد المتاح له واعني الأسود ،  الذي يتلاعب به على القماشة البيضاء ، فيحاول خلق بعض التنويعات الزخرفية في زاوية العمل أو في زواياه المتعددة او بعض الخطوط المحسوبة في بورتريهات كل من  (المخرج فيصل جواد والشاعر يونس جلوب العراف والمسرحي كاظم لازم والنحات رضا فرحان والتشكيلي ستار كاووش والقاص والروائي كاظم الجماسي ) ، أو يقوم بتضخيم الكتلة اللونية السوداء طبعا ، وعكسها احيانا مستغلا القماش الأبيض التي تتحول الى إضاءة كبيرة تنعكس لصالح العمل والعكس صحيح .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى