هل تُغطّي فاجعة الناصرية على نكبة احتراق “عقود” الصحة؟

المراقب العراقي/ المحرر السياسي…
يوم ساخن شهده العراق الإثنين الماضي، بفعل سلسلة حرائق ألهبت مشاعر الحزن في صدور العراقيين وأحرقت أجساد بعضهم، لكن هول الفجيعة في الناصرية يكاد أن يُنسِي الرأيَ العامَّ، حريقَ مبنى وزارة الصحة في بغداد الذي “حوّل غرفة بأكملها إلى رماد”.
والتهمت ألسنة اللهب يوم الإثنين الماضي، قسم الحسابات في مبنى وزارة الصحة الكائن في منطقة الباب المعظم وسط العاصمة بغداد، بفعل حريق اندلع في الطابق الرابع الخاص بالأقسام المالية والادارية والعقود، وطال طوابق أخرى داخل المبنى.
وأعلنت وزارة الصحة لاحقاً عن تمكن فرق الدفاع المدني من إخماد الحريق، لكنها لم تُدْلِ بمعلومات إضافية عن أسباب اندلاعه، أو الخسائر التي تسبب بها، لاسيما أنه طال أقساماً مهمة تضم أوراقاً تتعلّق بالحسابات والعقود.
وغالباً ما يكون التماس الكهربائي، الشماعة التي تُعلّق عليها أسباب كل الحرائق في المباني الحكومية بالعراق، والتي غالباً من تكون داخل الطوابق والغرف الخاصة بالعقود والمناقصات، في وقت يشكو الشارع العراقي من تراكم الفساد واستشرائه في مفاصل الدولة.
يأتي ذلك في وقت يشهد فيه العراق أعمالاً تخريبية متعمدة، تستهدف أبراج الطاقة، ما يرجح أن نشوب بعض تلك الحرائق قد يكون ذريعة تخريبية من نوع آخر لإنهاك الجهود الأمنية العراقية الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار في البلاد، خاصة أن الأسبوع الحالي شهد محاكاة للتصويت بالانتخابات البرلمانية، تمهيدًا لاستحقاق فعلي في تشرين الأول المقبل، في خطوة أولى على طريق استعادة الدولة استقرارها السياسي.
ورغم أن الحرائق الثلاثة اندلعت بأماكن من المتوقع تواجد أعداد كبيرة من المواطنين فيها، لاسيما مدينة الطب، إلا أنها لم تخلف خسائر بالأرواح أو الإصابات.
وفي الوقت نفسه شهدت بغداد حريقين آخرين، أحدهما اندلع داخل غرفة متخذة مكتبًا للمحامين في مبنى مجلس القضاء الأعلى – رئاسة محكمة استئناف بغداد الكرخ/ محكمة بداءة البياع، فيما سيطرت 18 فرقة إطفاء وإنقاذ على حريق كبير اندلع داخل جملون متخذ كمخزن للحبيبات البلاستيكية والإسفنج في منطقة عويريج جنوبي بغداد.
وتوّجت سلسلة الحرائق هذه بحريق ضخم التهم مستشفي الحسين التعليمي في مدينة الناصرية.
وطاردت ألسنة اللهب مرضى فيروس كورونا المحتمين في مستشفي الحسين التعليمي للعزل بمحافظة ذي قار، لتخلف عشرات الضحايا الذين قضوا حرقا داخل المستشفى، نتيجة انفجار 3 أسطوانات أوكسجين، من بينهم كوادر طبية وعناصر أمن.
وأفادت دائرة صحة ذي قار بأن عدد شهداء حريق مستشفى الحسين بلغ حتى الآن 92 شهيداً، لافتة إلى وجود مفقودين، وبينما اتسعت الاحتجاجات في المدينة عقب الفاجعة والتي نددت بالطبقة السياسية وتردي القطاع الصحي، صدرت أوامر قضائية بالقبض والتحري بحق 13 مسؤولا في دائرة صحة ذي قار.
ووفقاً لمسؤولين صحيين فإن عدد الشهداء يشمل رفات 21 جثة متفحمة لم يتم التعرف بعدُ على هويات أصحابها، وأظهرت صور عشرات الجثث مُسجّاة بالمستشفى، في وقت تحاول فيه السلطات التعرف على هوية أصحابها قبل تسليمها إلى ذويها الذين تجمعوا في المكان منذ اندلاع الحريق، وقد سُلمت بعض الجثث بالفعل وسط أجواء طغى عليها الحزن والغضب.
وغطّت هذه الفاجعة الأليمة على حريق مبنى وزارة الصحة، ولفتت الأنظار عن حادثة قد تكون وراءها “جريمة حقيقية بإخفاء ملفات فساد عديدة”، حسبما علّق مدونون على مواقع التواصل الاجتماعي، صبّوا جامَ غضبهم على الإخفاق الحكومي المتراكم.
وتعليقاً على ذلك يقول المحلل السياسي مؤيد العلي لـ”المراقب العراقي”، إن “سلسلة الحرائق التي شهدها العراق مؤخراً جاءت ضمن عمليات مخطط لها ولا يمكن أن تكون عشوائية”، مبدياً رفضه إزاء “محاولات طمس الحقائق وإلقاء اللوم على الأخطاء الفنية ونقص أدوات السلامة والصيانة”.
ويضيف العلي أن “هناك من يحاول افتعال الحرائق للحصول على مكاسب سياسية، لاسيما أنها غالباً ما تحدث في طوابق العقود “، معتبراً أنها “محاولات للتغطية على الفساد”.
ويرى العلي أن “عملية حرق المواطنين العراقيين بهذا الدم البارد، دليل واضح بأن هناك استخفافاً بدمائهم لتصفية الحسابات وتحقيق مآرب سياسية”.
ويُنبّه العلي إلى “تأثيرات العامل الخارجي الذي ينشط لإحداث اضطرابات وفوضى في الوسط والجنوب بغية تأجيل الانتخابات معتمداً في ذلك على عوامل داخلية”.
وكانت المقاومة الإسلامية كتائب حزب الله، حمّلت حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي مسؤولية إجرام “مافيات الصحة” وذلك على خلفية الحريق، مطالبة إياها بضرورة الرحيل.
وجاء في بيان أصدرته الكتائب يوم الثلاثاء الماضي، وتلقت “المراقب العراقي” نسخة منه، إن “عمليات الحرق الممنهجة التي استهدفت وتستهدف الدوائر الصحية وبالأخص مراكز عزل المصابين بـ(كورونا) وقتلهم بهذه الوحشية تقف خلفها مافيات الفساد في وزارة الصحة، التي تتحمل مسؤولية أفعالها الإجرامية الحكومة الحالية”.
وتساءل البيان: “هل تمرُّ جريمة مستشفى الإمام الحسين في الناصرية كسابقاتها دون أن تتحمل حكومة الكاظمي المسؤولية الأخلاقية وتعلن فشلها وتحترم مشاعر العراقيين لترحل غير مأسوف عليها؟!”.
وختم البيان بالقول: “ونحن إذ نعزي بهذه الفاجعة الأليمة والمصاب الجلل بفقد أبنائنا في مدينة الناصرية العزيزة، نبتهل إلى الله أن يتغمد الضحايا برحمته، ويلهم ذويهم الصبر والسلوان، ويمن على المصابين بالشفاء العاجل”.



