«نافخ الزجاج الأعمى» طفلة تريد معرفة كيف يكتب أبوها

عبداللطيف الوراري
في النص الأول من ديوان «نافخ الزجاج الأعمى» للشاعر آدم فتحي تريد الطفلة أن تعرف كيف يكتب أبوها رغم عماه، فيجيبها: «أنظر في نفسي طويلاً إلى أن أرى ثقبا في الصفحة. أضع على الثقب كلمة. أنفخ في الكلمة كي تكبر قليلاً. هكذا أحصل أحياناً على قصيدة». وفي ما بعد، ثمة العدم «لا شيء سوى أَني قد أَقَعُ في الثقْبِ فلا أعود». أيكون العمى، والحالة هذه، تعلةً لتجاوز الواقع نحو الحلم، وتحقيقا لكتاب «شخصي»؟
يكاد يكون الاستهلال البيسوي (نسبة إلى فرناندو بيسوا)، ثُم النص التدشيني بمثابة النواة الأصل، الذي يتأسس عليها مشروع الكتاب برمته؛ فالأول يضعنا أمام حقيقة المصير الوجع الذي قد تنتهي إليه الذات، في ما هي تنحدر إلى الهاوية/ العدم، بعد أن تنفض عنها «متروكات» العالم وأعيانه المتكثرة لتستعيد ما انقطع في بحر الحياة، أما الثاني فيكشف ـ عبر حوارية ضمنية – شكل هذه الاستعادة وتدبيرها كتابيا. إننا بصدد مشروع «كتاب» ينبثق من هذه اللحظة ويتوالد عموديا؛ مشروع كتابة لا تنحاز إلا لما يمليه عليها إيقاع الذات محسوسا، لامرئيا، ومتواترا بين الذاكرة والنسيان، وبين المحو والإيجاد، بقدر ما أن ذات الكتابة تنظم معناها في خطابها الخاص والمُفْرد، وتتبنى العمى استعارةً – تمثيلًا كِنائيا لإعادة كتابة «ما انقطع» من سيرة الأعمى، والتفاوض معها بوصفه شَكْلَ ترجمة. يأخذ فعل الكتابة، هنا، طابعا «سحريا- طقوسيا»، إذ يتشبه بـ»نفخ الروح» في تأويله المُقدس بين الأسطوري والديني، وتأخذ الصفحة طوبوغرافيا شكل «القصبة»، بإيحائها المادي والسيميولوجي، الذي يدل على استثارة «زجاج»، أو لاوعي الذات وعالمها الداخلي، بكل ما ينطوي عليه من أحلام، وجراح، وشهوات ومباهج دفينة. وكُلما أوغل فعل الكتابة، وفعل القراءة طَرْدا، في المعتم والظليل والبعيد، تتوارد على الذات الكاتبة ـ علينا- صورٌ وأخيلةٌ ومشاهداتٌ من عالمها الطفولي وعيشها في المدينة، بما يشبه الحلم/ النزول إلى مهبط/ منحدر «مارام»؛ الفردوس المحلوم به احتجاجا على بؤس الواقع وخمول الأيام: «أسهر في عيني أهمسُ. أحرسُ جُرْحي. أحرسني من أن أنام عما يحدث خارج عيني».
الانتقال من الإبصار إلى الاستبصار؛ من عين الرؤية إلى عين القلب، بشكل موارب، هو ما يمنح فعل الكتابة ذرائعيته، بحيث يتخذ طابعا تحويليا يشبه الحفر في الداخل؛ داخل الذات وداخل الكتابة، ولاسيما عندما ينقاد هذا الفعل إلى رغبة الأنا ـ عبر رهان الغيرية التي تستضيء بحضور الطفلة ابنته- في قول «ما مضى» و»ما انقطع» من سيرة الأعمى، سيرته بين الشخصي واللاشخصي.
من البدء يعلن الشاعر، وهو يسهر عابرا في أحراش الذات المنسية، عن قصد الاستعادة كفعل جينيالوجي، يتلمس طريقه إلى البدايات، ليس بحثًا عن أصل معنى الأشياء، بل عن أثر المعنى في الذات والندوب التي تركها عليها في معترك الحياة: يستعيد نفزاوة المكان الأول الذي ينتمي إليه الشاعر، كأنما هو يبحث عن «مارام» مأخوذا بأصوات الحلم وندواته التي تُحرر الذات من جديد في «مطهر» النار



