العراق يتجه إلى إقرار موازنة “الأداء والبرامج” لإعادة ضبط الإنفاق

بعد سنوات من الفساد والهدر المالي
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
في خطوة تُعد تحولاً جوهرياً في إدارة المالية العامة، تتجه الحكومة العراقية إلى اعتماد موازنة الأداء والبرامج لعام 2027، في محاولة لمعالجة الإخفاقات التي رافقت الموازنات السابقة وما نتج عنها من هدر واسع للمال العام وتراجع في كفاءة الإنفاق، فضلاً عن ملفات الفساد التي أثرت بشكل مباشر على الواقع الاقتصادي والخدمي.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تحديات اقتصادية متصاعدة فرضتها المتغيرات الإقليمية، وفي مقدمتها توقف الإمدادات النفطية نتيجة إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب ما كشفته حملة “صولة الفجر” من ملفات فساد كبيرة، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تبني نموذج مالي حديث يربط الإنفاق بالأداء والنتائج الفعلية، ويعزز مبادئ الحوكمة والشفافية والرقابة على المال العام.
وأكدت مصادر حكومية مسؤولة أن موازنة عام 2027 ستعتمد بشكل رسمي على مبدأ الأداء والبرامج، بحيث تخصص الأموال وفق برامج وأهداف واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، بما يسمح بتقييم كفاءة الإنفاق وفاعليته استناداً إلى النتائج المتحققة، بدلاً من الاكتفاء بتسجيل النفقات والإيرادات كما كان معمولاً به في الموازنات السابقة.
وأضافت المصادر أن هذا التحول سيجعل الموازنة أداة للتخطيط والإدارة والتنمية، وليس مجرد وثيقة مالية، إذ سيُسهم بتوجيه الموارد نحو الأولويات الإستراتيجية، وتحسين جودة الخدمات العامة، ورفع كفاءة استخدام الأموال، فضلاً عن تمكين الجهات الحكومية من تحقيق أهدافها وفق خطط واضحة تخضع للمتابعة والتقييم.
وأوضحت أن اعتماد هذا النموذج سيوفر للجهات الرقابية، وفي مقدمتها ديوان الرقابة المالية، أدوات أكثر دقة لمراقبة الإنفاق وقياس كفاءة تنفيذ المشاريع، الأمر الذي يعزز الشفافية والمساءلة ويحُدُّ من فرص الهدر والفساد، بما ينسجم مع المعايير الدولية الحديثة للإدارة المالية وتحقيق التنمية المستدامة.
ويرى مراقبون أن الموازنات السابقة شُرعت دون دراسة دقيقة لحجم الإنفاق أو استكمال الحسابات الختامية، ما أوجد ثغرات واسعة استغلها الفاسدون، مؤكدين أن تطبيق موازنة الأداء كان ينبغي اعتمادها منذ سنوات لتقليل الهدر وتعزيز الرقابة على الأموال العامة.
وأشاروا إلى أن تعثر إقرار الموازنة الثلاثية خلال الفترة الماضية، بفعل الظروف الجيوسياسية والإقليمية، أدى إلى تأخير تنفيذ العديد من المشاريع والعودة إلى الصرف وفق قاعدة (1/12)، وهو ما انعكس سلباً على الأداء الحكومي والاقتصادي.
وشدد المراقبون على أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، ومنح وزارات حيوية مثل الصحة والكهرباء والدفاع مخصصات مالية كافية، على أن تكون خاضعة لرقابة صارمة ومؤشرات أداء واضحة، لضمان توجيه الأموال نحو تحسين الخدمات وإنجاز المشاريع، بعيداً عن الهدر وسوء الإدارة، وبما يحقق مصلحة المواطنين ويعزز الاستقرار المالي للدولة.
وفي ذات السياق أكد النائب السابق محمد الشبكي في حديث لـ”المراقب العراقي ” أن توجه الحكومة لاعتماد موازنة الأداء والبرامج في عام 2027 يمثل خطوة مهمة إذا ما استند إلى أسس قانونية وإصلاحات اقتصادية مدروسة، مشدداً على ضرورة عدم انفراد الجهات التنفيذية بإقرار هذا التحول دون عرضه على مجلس النواب للتصويت عليه.
وأوضح الشبكي أن “الموازنات العراقية السابقة كانت تعتمد بصورة أساسية على الإيرادات والنفقات، الأمر الذي يتطلب اليوم الانتقال إلى برامج إصلاح اقتصادي حقيقية، وليس الاكتفاء بطرح شعارات أو تصريحات إعلامية، بما يضمن تجنب أية آثار سلبية قد تنعكس على حياة المواطنين”.
ودعا إلى “تفعيل القوانين الخاصة بالرقابة المالية ومكافحة الفساد، وإبعاد المؤسسات الرقابية عن مبدأ المحاصصة، مع رفدها بالخبرات والكفاءات المتخصصة، بما يمكنها من أداء دورها في حماية المال العام ومحاسبة المقصرين”.
كما شدد على “ضرورة تعزيز دور ديوان الرقابة المالية، وعدم تهميشه، إلى جانب تفعيل اللجان الرقابية في جميع الوزارات والدوائر الحكومية بمختلف المحافظات، لضمان متابعة تنفيذ المشاريع والإنفاق العام وفق معايير الشفافية والكفاءة.”
وبحسب مختصين أن نجاح موازنة الأداء والبرامج لن تتحقق إلا بتكامل التشريع والرقابة والتنفيذ، بما يضمن إدارة مالية أكثر كفاءة ويعزز ثقة المواطنين بالإصلاحات الحكومية.



