طالب جبار.. حارس الذاكرة العراقية وصاحب الريشة المغموسة بطين الجنوب

المراقب العراقي/ماجد حميد ..
يُقال إن طين الجنوب العراقي يملك سرّاً خاصاً؛ يفرز فلّاحاً مثقفاً، والفلاح المثقف يورث جيناته لمبدعين لا يملكون سوى الانحياز للإنسان. ومن هذا الامتداد الضارب في عمق الذاكرة السومرية، ومن أزقة “المدينة السمراء” (مدينة الثورة)، بزغ اسم الفنان التشكيلي ورسام الكاريكاتير العراقي البارز طالب جبار؛ ليكون واحداً من الأقلام والفرشاة التي لم تنفصل يوماً عن واقعها، بل جعلت من أنين الفقراء وصبرهم سمفونية بصرية تُعرض على قماش اللوحات.
لم تكن البدايات ممهدة بالورود في مدينة كادحة مثل مدينة “الثورة” الصدر حاليا لكن الموهبة الحقيقية تفرض حضورها مهما بلغت قسوة الواقع. بدأت رحلة طالب جبار منذ الطفولة، حين كانت هوامش دفاتر المدرسة تضيق بخطوطه الأولى وعفويتها. ورغم أنه تخرج بعيداً عن مسار عالم الفن التشكيلي، إلا أن عشق الفن قاده إلى مسيرة طويلة من البحث والدراسة الذاتية، متبوعاً بشغف تفكيك المدارس العالمية الكبرى وتحليلها نقدياً.
كان لانتمائه إلى “معسكر التصميم” في السبعينيات أثر بالغ في صياغة وعيه البصري، حيث تتلمذ وتأثر بأساتذة كبار من طراز صلاح جياد وصادق سميسم. وتحت هذه الرعاية، وبدعم معنوي خالص من والده ــ ذلك الريفي المثقف الذي حمل حنين الجنوب بين عينيه ــ نمت موهبة جبار بتدرج واثق، تغذيها رسومات المجلات والصحف التي كانت تسحره وتدفعه للتعلم والمحاكاة.
واحدة من أبرز الميزات الأسلوبية للفنان طالب جبار هي قدرته الفذة على هدم الأسوار بين الفن التشكيلي التعبيري وفن الكاريكاتير الصحفي. لم يفصل جبار بين الفنين، بل نقل بساطة خطوط الكاريكاتير واختزالها الذكي إلى لوحاته الزيتية؛ مما منح أعماله طاقة تعبيرية عالية وهوية بصرية متفردة تنبض بالحركية والعفوية.
هذا التمازج تجلّى بوضوح بإسهاماته الغزيرة في ثقافة الأطفال، وتحديداً في مجلتي “مجلتي” و”المزمار”، قبل أن يتوج هذا العطاء بتأسيس دار ومجلة “صديقي” للأطفال، تاركاً بصمة لا تُمحى في وعي أجيال متعاقبة.
في لوحاته، تلتقي التأثيرات المحلية والعالمية؛ فنرى ملامح من مدرسة الرواد العراقيين كفائق حسن، وجواد سليم، وحافظ الدروبي، وخالد الجادر، جنباً إلى جنب مع ومضات استلهمها من بيكاسو وسلفادور دالي وفان كوخ، وفي مضمار الكاريكاتير، بقيت ظلال الريشة الرائدة للمصري صلاح الليثي والعراقي رائد نوري حاضرة في بداياته.
في مجموعته الشهيرة “الشخصية الجنوبية”، أحدث طالب جبار انتقالاً مشهوداً من أطر المدرسة البغدادية التقليدية نحو الروح السحرية لجنوب العراق، وأصبحت لوحاته فضاءً مفتوحاً لتوثيق الوجوه السومرية، وملامح الحياة المتأصلة في الأهوار، وتفاصيل المرأة الجنوبية بعباءتها السوداء وملامحها الصابرة المكتنزة بجمال عفوي صادق. إنه الفن حين يتحول إلى سردية بصرية للألم والجمال المنبثق من طين الرافدين.
عاصر طالب جبار سنوات الحصار والسنين العجاف داخل مدينة الثورة، فصهرت تلك التجربة توجهه الفكري والفني. لم تكن المدينة بالنسبة له مجرد عنوان سكن، بل كانت “هويته الإنسانية”؛ فانحاز بشكل مطلق للطبقة العاملة والكادحين، وصار قريباً من هموم الشغالين وتطلعاتهم. ولعل “جدارية العمال” تقف كشاهد راسخ في الذاكرة الجمعية التشكيلية على هذا الانتماء الإنساني العميق.
ولم يقف التوثيق عند حدود الشقاء اليومي، بل امتد ليعيد إحياء “طفولة المحلة”؛ فرسم تفاصيل الألعاب الشعبية، الركض خلف الطائرات الورقية الممزقة، بقع المطر، والأقدام الملطخة بالتراب، وعفوية العلاقات الاجتماعية بين الجيران في الأزقة القديمة، هذا المخزون العاطفي ظهر جلياً في معرضه الشخصي اللافت على “قاعة أكد” في الكرادة ببغداد، والذي ضم نحو 50 لوحة واجهت الواقع الصعب ببراءة الذكريات وأحلام الطفولة.
حظيت تجربة طالب جبار بتقدير نقدي واسع في الأوساط الثقافية العراقية:يصفه الكاتب والناقد فتحي شداد المياحي قائلاً: “إنه ليس مجرد رسام، بل هو صانع هوية، وحارس ذاكرة، ومهندس فرح جمعي”. مشيداً برفضه السقوط في خطاب الشفقة واستعاضته عنه برفع الفن إلى مستوى الضرورة الوجودية.
في حين يُحلل الأكاديمي والناقد د. جواد الزيدي أسلوبه بالقول: “يتخفى طالب جبار إنساناً وفناناً داخل أسوار بغداد وحاراتها وأزقتها ليتحسس تفاصيلها ومنابع خيوطها السرية التي تتجلى في لوحاته برؤية المحب العارف”.
ختاماً، يمكن القول إن لوحات طالب جبار ليست مجرد مساحات لونية، بل هي “قصص قصيرة” مكتملة الأركان، تجبر المتلقي على التأمل الطويل والتجاوب مع رسائلها الإنسانية العميقة. إنه الفنان الذي ظل وفياً للثورة، وفياً للجنوب، ووفياً للإنسان، فاستحق أن يكون حارساً أميناً لذاكرتنا البصرية.



