ثقافية

«المؤابي» شخصيات حقيقية بنسيج روائي من خيال الكاتب

موسى إبراهيم أبو رياش..

التاريخ المكتوب هو تاريخ السلطة في أشكالها كافة، ويميل إلى المبالغة والبهرجة والنفاق والتزوير، أما تاريخ الشعوب، تاريخ المحكومين، وحقيقة حياتهم ومعاناتهم، فمُغيب، لا يأبه به أحد، ولا تسجله الكتب إلا في ما ندر، ومن هنا يأتي الأدب لينقل بعضا من جوانب التاريخ الشعبي، ومشاعر الناس وأحوالهم. وفي العصر الحديث، لعبت الرواية دوراً كبيراً في التأريخ للشعوب، من خلال ما تصوره من أحداث وصراعات ومعاناة وهموم ومشكلات وقضايا، وتعكس آمال الناس وآلامهم، وأحلامهم وخيباتهم، وأفراحهم وانكساراتهم، وما يتعرضون له من ظلم وعدوان، وغير ذلك مما يتسع له فضاء الرواية الواسع المفتوح.

تتناول رواية «المؤابي» لسامر المجالي فترة حرجة ومضطربة من تاريخ منطقة الكرك في جنوب الأردن خاصة، والمنطقة بشكل عام، ولا شك في أن الرواية ليست تسجيلاً حرفياً لما حدث، لكن الأحداث الرئيسية والمفاصل الكبرى حدثت بالفعل، وكثير من الشخصيات حقيقية، لكن التفاصيل، وربط كل ذلك في نسيج روائي، من خيال الكاتب الذي نهل من مما سمعه، وما تناقله الأجداد عن تلك الأحداث، وربما سمع ممن عاصرها، خاصة أنها لم تتقادم بعد، وما زالت تروى في المجالس، خاصة ثورة الكرك «الهية» 1910، أي أن خيال الكاتب اغترف من تاريخ مروٍ حديث عهد، وبنى حكاياته وأحداثه بما يتوافق مع رؤيته لتلك الفترة الحرجة في تاريخ المنطقة.

الملاحظة الأهم في الرواية أن لا ملائكة ولا شياطين فيها، ولا وجود للبطل الخارق والشخصيات المثالية، فالكل بشر من لحم ودم، ولكل إيجابياته وسلبياته، وفيه ما يمدح وما يذم، وجاءت تقنية تعدد الأصوات، لتعطي كل شخصية حقها في الكلام، وإبداء الرأي وتوضيح وجهة نظرها، وتسليط الضوء على الأحداث من زوايا مختلفة. وفي هذه الرواية افتتح الراوي العليم فصلها الأول، لوضع القارئ في جوها العام، ثم تناوبت أصوات عدنان وسلامة وفارس طوال الرواية، واختتمها أنيس الموصلي برسالته إلى والده قبيل استشهاده في ميسلون 1920.

تناولت الرواية أحداثًا كثيرة عصفت بالمنطقة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين ومن أهمها: ثورة حوران، ثورة الكرك «الهية» صراعات السلطة في إسطنبول، إعدامات جمال السفاح، القوميون العرب، الثورة العربية الكبرى، معركة ميسلون، وغيرها. واللافت في هذه الرواية الجميلة الكم الكبير من الزعامات التي لعبت أدواراً في أحداث الرواية، وتنوع هذه الزعامات واختلافها وصدامها أحيانا؛ فهناك زعامات متوارثة أبًا عن جد مثل: السلطان عبدالحميد الثاني، وعدنان كريّم، وأبو أنيس الموصلي، والأمير فيصل، وزعامات أبرزتها الظروف مثل سلامة، وغالب بن عويد، ونور الدين فخري، وجمال باشا، والبرغوث، وزعامات فتية نشأت في بيوت الزعامة والسيادة مثل، فارس وأنيس، ولم يخل الأمر من زعامات نسائية فاعلة مثل أم عدنان وزوجته حمدة، وهذه الزعامات بعضها عشائرية بدوية، وبعضها حضرية مدنية، وبعضها بين بين، ولكل سماتها وخصائصها المتشابهة والمختلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى