صنعاء: إرادة سلام تعلو ولا يُعلى عليها

بقلم/محمد محمد السادة..
تخوض صنعاء في إطار معركتها الشاملة معركةً لا تقلّ أهميةً عن المعركة العسكرية، وهي المعركة السياسية التي دارت رحاها بعد أن انتقل مركز ثقل دعم واشنطن لحليفتها الرياض من شقه العسكري إلى شقه السياسي الذي ينتهج سياسة العصا والجزرة تجاه صنعاء، التي أثبتت أنَّها عصية على كلّ عصِي واشنطن والرياض العسكرية والاقتصادية، بل أصبحت صنعاء تملك عصا الردع بشهادة الرياض.
لذا، لم يعُد لدى واشنطن سوى التلويح بالجزرة التي لا تراها صنعاء إلا من خلال البدء بإجراءات بناء الثقة قبل خوض أي مفاوضات، والتعاطي الإيجابي مع مطالبها المشروعة المتضمّنة فكّ الارتباط بين المسار الإنساني والمسار السياسي، من خلال وقف العدوان ورفع الحصار الشامل من دون قيد أو شرط. عندها فقط، سيكون لدى المجتمع الدولي مؤشر حقيقي للحُكم على مدى جدية صنعاء ورغبتها في الانخراط في عملية السلام في اليمن.
إنَّ اختبار جدّية صنعاء ورغبتها في السَّلام لا يكون من خلال بالونات التصريحات السياسية الصادرة عن واشنطن، كتلك التي أطلقها المبعوث الأميركي إلى اليمن تيم ليندركينغ مؤخراً، وقال فيها إنَّ واشنطن تعترف بشرعية من يسمّيهم “الحوثيين”، ما أثار لغطاً وضجة إعلامية، لتأتي تصريحات المتحدث باسم الخارجية الأميركية وتؤكد تصريحاته وتشير إلى أنه لم يخطئ، ليأتي رجل واشنطن المثابر أحمد بن مبارك، وزير خارجية حكومة هادي، ويُعيد تصريحاته أيضاً.
إنَّ الاعتراف الأميركيّ بشرعية صنعاء كطرف رئيسي في اليمن ليس جديداً، فقد صرح ليندركينغ سابقاً بأن من يُسميهم “الحوثيين” لاعب أساسيّ لا يُمكن العمل من دونه. لذا، إنَّ مثل هذه المواقف الأميركية يعكس في حده الأدنى استيعاباً وإقراراً أميركياً مُعلناً بحقيقة موجودة على الأرض لا يُمكن إنكارها، كما يبرز مستوى الندية التي تُظهرها صنعاء، رغم المحاولات المستمرة لتحجيمها.
وفي الوقت الذي تُحقق محادثات مسقط الدبلوماسية تقدماً، وإن ببطء، تبدو الرياض في إطار مصالحها ومطالبها بضمانات إضافية لمعالجة هواجسها الأمنية المرتبطة بحدودها المكشوفة مع اليمن أكثر استعداداً للتعاطي مع صنعاء ومطالبها العادلة والمشروعة في إنهاء العدوان والحصار قبل خوضها أي مفاوضات.
وبالتوازي مع ذلك، تُحقق المحادثات بين طهران والرياض تقدماً ملحوظاً، وهو ما يؤكده التصريح الأخير للمتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي، فيما تقترب محادثات إحياء اتفاق الملف النووي الإيراني من فصلها الأخير، ولا سيما في جانبها التقني. وبذلك، إن التقدّم أو التعثّر في أحد الملفين يكون له انعكاس على الملف الآخر.
“فرصة لدور أوروبي في الملف اليمني “
اتسمت السياسة الأوروبية تجاه اليمن منذ بدء العدوان عليه بالسلبية والتواري خلف الدور الأميركي، إلى أن جاءت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، التي أكَّدت في سياستها الخارجية إعادة إحياء التحالفات مع الدول الأوروبية، بعد أن كانت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب قد استغنت عن دعم الحلفاء.
ولكون الملف اليمني يُشكل إحدى أولويات إدارة الرئيس بايدن في المنطقة العربية، فهناك حرص على الدّعم الأوروبي لتحركات واشنطن السياسية والدبلوماسية تجاه ملف اليمن. لذا، إنَّ تعيين سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن السويدي هانز جراندبيرج مبعوثاً أمميّاً جديداً إلى اليمن هو مؤشر على توجّه واشنطن نحو إعطاء مساحة تحرك أكبر لدور أوروبي بمظلة أممية.
انطلاقاً من هذه المعطيات، ستكون الفرصة متاحة أمام المبعوث الجديد لتقديم مبادرة حل أوروبية – أميركية – أممية مشتركة لإحلال السلام في اليمن. وقد تنطلق تلك المبادرة من النجاح الجزئي الَّذي حققه اتفاق السويد، وإمكانية توسيع الاتفاق في جوانبه العسكرية والأمنية والإنسانية، مع إضافة الجانب السياسي، ومن ثم تمرير المبادرة عبر مجلس الأمن الدولي، ولكن سيظلّ نجاح مساعي السلام في اليمن أو فشلها، بغض النظر عن جنسية الوسطاء، مرهوناً بمدى الالتزام بالمهنية والحياد والخبرة في الملف اليمني بتفاصيله كافة، مع استيعاب معطياته الجديدة، إلى جانب مستوى تعاون الأطراف المعنية المحلية والخارجية وتجاوبهم مع تلك المساعي، إضافةً إلى دعم المجتمع الدولي.
ختاماً، تُثبت صنعاء أنَّ معركتها هي معركة النفس الطويل، وأن سياستها هي سياسة الصبر الاستراتيجي، وهو توجه ثابت، وليس مُصادفة، لكونه نابعاً من إيمان وحكمة، رغم كلفته العالية وما يُقدم من أجله من تضحيات جليلة ودماء زكية، إلا أنه يظل خيار الأقوياء الذي يكتنز في طياته فلسفة الصمود الفريد لشعب اليمن العظيم، وإرادته في السلام التي تعلو ولا يُعلى عليها، لتُثمر نصراً وعزّةً وتمكيناً.



