ثقافية

“للمفتاح وجوه عدّة” مأساة شعب موزع بين جحيم الحروب والاغتراب في المنافي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد داود السلمان في رواية (للمفتاح وجوه عدّة) للروائي مهدي علي ازبيّن مأساة شعب موزع بين جحيم الحروب وذلة المنافي والاغتراب.

وقال السلمان في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي)؛ رسالة الكترونية تصل الى بطل الرواية؛ الذي عبر عنه الكاتب بضمير الـ(أنا) مفادها: إن والده تعرّض الى حادث جسيم قد يودي بحياته، والاجراء يلزم بحضوره. وكانت الرسلة بخط زميل والده في الدائرة. فما كان لبطل الرواية أن عزم امره، وبحسب الاجراءات القانونية المتبعة لذلك البلد الذي هاجر اليه بطلب لجوه انساني، منذ عدة سنوات. فما هي الا سويعات حتى وصل الى بغداد حيث ادرك إنّ والده الآن راقد في مستشفى “الكندي” في بغداد وهو الآن في العناية المركزة، كون اصابته بليغة جدًا، وحالته في خطر.

واضاف: كان الوضع الامني في بغداد ومعظم المحافظات الاخرى، وضع مربك، وضع متشنج حيث الامريكان مسيطرين على كل البقاع والاماكن والمُدن، وبمعية قليل من القوات العراقية التي شُكلت حديثا، وتحت وصاية تلك القوات المحتلة للبلد، وتتأمر بأوامرها. وكان بطل الرواية في وضع نفسي غير مستقر، ومتشنج للغاية، لأن الاوضاع بصورة عامة لا تطمئن. وكان في هذه الاثناء قد اتصل بصديق فارقه منذ سنوات، فجاء معه للاطمئنان على صحة والده، ويرشده الطريق الذي تغيرت ملامحه، من باب، ومن باب آخر خوفًا أن يتعرض صديقه الى مسائلات قانونية، او يحدث له أي مكروه. وفعلا اوقفته احدى السيطرات المشتركة وطلبت منه اعطاء اوراقه الثبوتية، لأنهم شكوا في وضعه المرتبك. وبعد بضع دقائق اعطوه اوراقه ليواصل طريقه مع صديقه، بغية الوصول في الوقت المحدد الى المستشفى، حيث والده يرقد هناك. ولما وصلا وجد ابيه في حالة اغماء كامل، أي إنه غائب عن الوعي.

وتابع: وفي هذا الاثناء، شطح فيه الخيال الى الوراء، وهو جالس على الكرسي امام سرير والده، وطفق يتذكر احداث سابقة كانت مخزونة في ذاكرته المعطوبة وهنا يأتي ذكاء الراوي- الكاتب ليلعب لعبته، ويستعرض عضلاته الفكرية، ويسكب ثقافته، وما يروم قوله، وقد فعل كذلك الراوي، حيث ذكرني برواية “مائة عام من العزلة” للروائي الكبير ماركيز، فهو لعب قريبًا من لعبة ماركيز في قص الاحداث، لكن ماركيز بالغ جدًا في سير احداث روايته تلك، فاسكب عليها كثير من التعقيد واللعب بالكلمات والجمل والمفردات. لكن صاحبنا مهدي علي ازبين في روايته (للمفتاح وجوه عدة) هذه التي نتحدث عنها، لم يتبع ماركيز في ذلك التعقيد، بل سرد لنا الحكاية بإسلوب جذاب، اراد بذلك أن يجرجر القارئ الى ساحته حتى يكون اللعب بمرونة وانسيابية، وارتياح للفكر، وحتى لا يصاب القارئ بداء الملل، وفايروس السأم. وعليه اختار الجُمل بدقة والكلمات بعناية، وليس هذا فحسب، بل كانت جمله شاعرية، فهو يكتب الاحداث بلغة شعرية، حتى كأنك تقرأ قصيدة ملحمية على شكل رواية فيها احداث ونتائج وبداية ونهاية، فضلا عن إنك تجد شعرًا محبوك قد تقصّد الكاتب وضعه هنا، او لم يتقصد، فالأمر سيان بالنسبة للقارئ، فأنه يجد شعرًا منثورًا بين طيات الجُمل التي يقرأها.

واستطرد: فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد قوله: ” نربض على محمل الصبر والفزع الكامن في فلات الزمن، توشح النداءات صباحاتنا بأخبار مغتمة” (راجع: ص 13 من الرواية) أو في جملة اخرى “في هذه الفوضى العارمة تبزغ خيوط الرجاء، في غابة مفتعلة في الافتراس، تبرق الالفة، في عاصفة من غبار اسود، ينبض دفء شرقي، يشملني صقيع الكون؛ يتلقفني حنان آسر، وسط غيوم التعب، بثّ رذاذ ارتياح، يتخلل ماراثون الحزن الفاصل للفرح، في قلب ضجيج مطبق، يهمس صوت فيروزي، وسط ارتال القبح، تشرق زفة بريئة، خلل اسراب الخراب؛ ترف اجنحة الجمال” (راجع: ص 13- 15). ومثل هذا كثير.

وختم :وهو جالس على الكرسي قبالة والده، يشطح الخيال بصاحبنا بطل الرواية، فيتذكر احداث قديمة مضى عليها اكثر من عشرين عامًا أو تزيد، وتحديدًا فترة الحرب العراقية الايرانية، وما تلاها من مصائب واحزان وكوارث انسانية. ويوغل في احداث طويلة وعريضة، ويسكب هنا الكاتب عصارة ذاكرته المصحوبة بالألم الذي عاشه الشعب العراقي، وكنا نحن شاهدًا على ذلك، من احداث (لو صُبت على الايام صرنّ لياليا) لجسامتها ومرارتها، وحال الجندي المذل المُهان، غير المحترم إذ كانوا يطلقون عليه لقب “المطي” أي الحمار على اعتباره إنه لا يفكر (فقط الطاعة العمياء) ولا يعي ولا يدرك ما يدور من حوله، من قضايا ومن شجون واهوال يشيب لهولها الرضيع، فضلا عن وضعه النفسي والجسدي، ومأكله البائس (القصعة) التي تصله في نهاية النهار، فلا يشتهيها الا المقطوعة به السُبل، فيضطر الى تناولها على مضض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى