اراء

محور المقاومة.. النشأة والتطوّر ووحدة المصير/ج1

بقلم/محمّد نادر العمري..

 

فرض محور المقاومة نفسه بقوة الأمر الواقع في منطقة الشرق الأوسط، نتيجة التطورات والأحداث المتسارعة والمتراكمة خلال العقود السابقة، والتي شملت مساعي أميركية وإسرائيلية للاستفراد بالمنطقة والهيمنة عليها، بالقوة العسكرية أو بفرض عمليات “سلام” مختلَّة الموازين لمصلحة الكيان الإسرائيلي، وناقصة الحقوق بالنسبة إلى الشعوب العربية عموماً، والفلسطينية خصوصاً.

تبلور وجود هذا المحور وثقله خلال العقود الثلاثة السابقة، من دون وجود اتفاق هيكلي أو اتحاد شكلي أو بنية تنظيمية مؤسَّساتية. ومن خلال متابعة التطورات وطبيعة الصراع الجيوستراتيجي القائم على مستوى المنطقة، فإنَّ محور المقاومة الذي بدأت دائرة أعضائه بالاتساع والزيادة، مرَّ بثلاث مراحل متتالية.

مرحلة التّقارب والتكامل وتغيّر موازين القوى في المنطقة (1990 – 2006)

شكّلت نهاية المرحلة السّابقة وبداية هذه المرحلة، من اعتداء عراقيّ على إيران بفعل عوامل مساعدة خليجياً وغربياً، وآخر عراقي على الكويت، نجم عنه زيادة الخلافات العربيّة العربيّة وخرق الأمن القومي العربي، من خلال استدعاء قوات أميركية إلى الخليج، ومن ثم تمكّن الكيان الإسرائيلي من التوصّل إلى اتفاقيات “سلام” منفردة، تمثلت بالتنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية عبر اتفاقية “أوسلو”، ومن ثم “وادي عربية” مع الأردن في العامين 1993 و1994 على التوالي، بعد فشل مساعي الأمم المتحدة في إنجاح مؤتمر مدريد 1991، وتفرد واشنطن بالنظام الدولي، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وغياب أيّ دعم عربي لانتفاضة القدس الأولى 1987… كل ذلك شكل دافعاً قوياً لزيادة التقارب بين سوريا وإيران من ناحية، وبين هذين الفاعلين و”حزب الله” والحركات المقاومة الفلسطينية من ناحية أخرى.

أسهمت هذه التطورات في تبيان حقيقة المسعى الأميركي لتغذية النزاعات بين دول المنطقة، والتي تشكل تهديداً لأمن الكيان الإسرائيلي بما تملكه من قوة، وخلق صراعات جانبية تجعل فلسطين في سلم أولويات هذه الدول، وعدم جدية حكومات “إسرائيل” في سلامها المزعوم، بالتوازي مع عدم حياد الوسيط الأميركي الذي كان يدعم التوجّه الصهيوني بإقامة “سلام” منفرد على صيغة فرض الأمر الواقع من القوي على الضعيف، في اللجوء إلى تأمين مقومات الاستعداد والتدريب والتصدي.

شكّلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية عامل دعم سياسي ولوجستي لحركات المقاومة، بينما مثّلت سوريا ساحات التدريب والغطاء السياسي والدعم العسكري لها – أدى المرحوم باسل الأسد دوراً كبيراً في ذلك – وهو ما انعكس بشكل جلي على أداء العمليات الفدائية لحركات المقاومة، والتي تمثلت بداية في إيقاع الخسائر بالعدو الإسرائيلي في عدوان تصفية الحسابات في تموز/يوليو 1993، ومن ثم “عناقيد الغضب” في نيسان/أبريل 1996، وصولاً إلى تمكّن المقاومة اللبنانية في لبنان من إجباره على الانسحاب من معظم أراضي الجنوب المحتلّة والبقاع الغربي بصورة مهينة في 24 أيار/مايو 2000، بعد استنزافه بعمليات بطوليّة.

في المقابل، إنَّ نشاط حركات المقاومة في فلسطين لم يكن أقل وطأة من نظيراتها في لبنان، إذ تمكّنت هذه المقاومة، وبفعل الدعم السوري الإيراني المشترك، من إجبار “جيش” العدو الإسرائيلي على الانسحاب من قطاع غزة.

بعد تحرير أيار/مايو في لبنان، ومع تولّي الرئيس بشار الأسد الحكم في سوريا بعد وفاة والده، أثبتت القناعة السورية وسياساتها أنّ المقاومة هي السبيل الوحيد لاستعادة الحقوق والتصدي لما يحاك للمنطقة، والذي سرعان ما كشفت عنه واشنطن أثناء وبعد غزوها للعراق 2003، عبر رسالة وزير خارجيتها كولن بأول لسوريا، وهو ما دفع دمشق – طهران إلى تكثيف التعاون العسكري والسياسي مع المقاومة، وتحمّل كل الضغوط للحفاظ عليها، وتعزيز إمكانياتها في كل المجالات، ما ساهم بشكل فعلي في تحقيق النصر الإلهي في عدوان تموز 2006، والذي كان نواة قلب الموازين على مستوى الصراع في المنطقة وتبلور وجود محور المقاومة وتعاونه، وهو الذي تلقَّت من خلاله “إسرائيل”، ومن خلفها الولايات المتحدة، صفعة مؤلمة ونكسة يُبنى عليها الكثير من النكسات في ما بعد، حتى إن الانقسام في المواقف والتوصيفات السياسية لدول المنطقة أصبح كله يدور بين مصطلحين: الأول دول الاعتدال، والآخر محور المقاومة.

مرحلة كسر العظم والنصر على الإرهاب منذ العام 2006

بعد تعسّر ولادة “الفوضى الخلاقة” التي كانت واشنطن وتل أبيب تسعيان لإحداثها في المنطقة بالقوة العسكرية المباشرة، لجآ إلى تضييق الخناق على إيران وسوريا و”حزب الله” واتهامهم بالإرهاب وتضييق الخيارات عليهم، إذ تمَّ توجيه الاتهامات السياسة بمقتل رفيق الحريري إلى كلّ من سوريا و”حزب الله”، ومن ثم مورست الضغوط لخروج سوريا من لبنان وإبعادها عن دعم الحزب، بالتوازي مع طرح ما سمي بقانون “محاسبة سوريا”، بالتزامن مع تشديد الخناق الاقتصادي والعقوبات الجائرة على إيران وزيادة الحصار المفروض على الفصائل الفلسطينية في فلسطين ودعم معارضتها في الخارج، وصولاً إلى ما سمي بـ”الربيع العربي” واندلاع الأزمة السورية والعدوان على اليمن.

لذلك، كان الوقوف إلى جانب سوريا ودعمها وتقديم التضحيات لأجلها من الحاجات الضرورية والمصيرية للمحور بأكمله. وما يؤكد ذلك أنَّ انتشار الإرهاب لم يكن محصوراً داخل الجغرافيا السورية، بل طال لبنان والعراق وإيران أيضاً.

لذلك، واجه محور المقاومة أكثر التحديات صعوبة في الأزمة السورية، لأنَّها كانت تشكّل جيلين من الحروب، هما الجيلان الرابع والخامس، واللذان يعتمدان على إحداث الفوضى من الداخل، وتغذية الصراعات الداخلية بالمال والسلاح والفكر، وتشويه صورة المؤسّسات، وهو ما حصل، سواء من خلال محاولة شيطنة الجيش العربي السوري عبر وسائل الإعلام، واتهامه بارتكاب مجازر بحق الشعب السوري، أو من خلال اتهام إيران بتغذية الإرهاب، أو عبر توجيه الاتهام إلى “حزب الله” في التدخل بشؤون السورية وجلب الويلات إلى لبنان، بحسب ادعاءات فريق “14 آذار”.

 

رغم كلّ ذلك، استطاع المحور الحفاظ على وجوده وقدرته على استيعاب ما حصل، ومن ثم تغيير الواقع المفروض. وفي هذه المرحلة، شهدنا أشكالاً جديدة من الصراع، إذ لم تعد القوة العسكرية هي الأساس، بل بات الصراع يأخذ أساليب أكثر اتساعاً وأكثر خطورةً، سواء من حيث الصّراع الفكري والنفسي والإعلامي والأيديولوجي والاقتصادي الذي طال لقمة عيش المواطن، أو من حيث تحقيق خرق في موازين القوى التي باتت يقلق أميركا و”إسرائيل”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى