ثقافية

 “الوقوف على ساق واحدة” حفر في الحمولات الاجتماعية لماضوية الريف العراقي

المراقب العراقي/المحرر الثقافي…

يرى الناقد عقيل هاشم ان رواية “الوقوف على ساق واحدة” للقاص والروائي حسن كريم عاتي هي حفر ونبش في الحمولات الاجتماعية لماضوية المجتمع الريفي العراقي.

وقال هاشم في  قراءة تحليلية ان “رواية الوقوف على ساق واحدة”حفر ونبش في الحمولات الاجتماعية لماضوية المجتمع الريفي العراقي ،الرواية حقل واسع للكتابة النثرية وهي بالتالي قادرة على أن تستوعب الكثير من القضايا والامور التي يفرضها عصرنا والتي يعجز أي جنس ادبي عن استيعاب احداث ماضوية لها تواصل مع الحاضر بسبب طبيعتها الشفافة وطابعها الوجودي ،بداية توحي هذه الرواية وبمجرد قراءة متنها السردي الى رصد وكشف نقدي في طبيعة المجتمع العراقي الريفي في زمن سيادة الإقطاع ،ثم مقاومته.

,اضاف: أما عنوان الرواية “الوقوف على ساق واحدة” فهو عنوان معبر، يلخص طبيعة الحذر والتخندق الطبقي مما يجعل الاخر يتحسب اية فرصة للثار من الاخر .ويختصر كثيراً من القول، فالرواية تتناول عالم مجتمع الريف العراقي الخفي زمن الاحتلال ثم الملكية .وطبيعة التقاتل على المصالح لاسيما “المياه” وتسلط عليه الضوء بقوة وعلى مايفعله المحتل في اسناد القوي على حساب الضعيف “المحفوظ/الفلاح”، ويبقى هذا الصراع قائم على أمل أن المستقبل كفيل ان يزيل هذه التفرقة والطبقية التي تغلف قلوب البعض تجاه الاخر.

وتابع :لم يغفل الكاتب ان يضع لوحة تعريفية على الغلاف، حيث يقتحم هذا الزورق عالماً جديداً في الرواية “الصورة”، ويلج ميداناً شائكاً، ويتسلل إلى المجتمع الريفي ليكشف لنا احداثا ما زالت مغلقة أو تكاد بجرأة وشجاعة ويتبادر إلى الذهن كيف أمكن للكاتب أن يكتب عن المجتمع الريفي العراقي بهذه الدقة وكأنه واحد منهم، واخترق بيوتهم ودواخلهم ومشاعرهم وقلوبهم، ولا شك أن الكاتب كتب بكل هذا التفصيل لخبرته الواسعة في السرد الشعبي المتداول، لاريب ان ماساعد ذلك علاقاته العميقة معهم، واختلاطه بهم، وصداقاته المتينة ، فلا يستطيع أن يكتب هكذا رواية إلا واحد منهم، أو من خالطهم وعاش بينهم، لذلك نجح الكاتب في تقديم رواية كبيرة.

وواصل :لقد وظف الكاتب خبرته ولا سيما عبر اللغة والاسلوب اللذين أمنحهما اهتماماً واسعا مما جعل الراوي يحرك السرد الروائي في أحداث غاية في الدقة لذلك جاء السرد ما يشحن العواطف ويشحذها الى تلك المحطات البالغة الهدوء والطمأنينة واستطاع وبكل انسياب أن ينزلق إلى قاع النفس البشريّة بكل شياطينها والإرتفاع إلى أواسطها الماديّة بكل ما فيها من ارتباكات وتعاريج ومن ثم التحليق عالياً إلى قمة الحدث وتعاليها وانسحابها الدائم نحو الأعمق وسموّها في المشاعر البكروعليه فان ثيمة هذه الرواية متراكب فيه ما يرتبط بالذات وفيه ما يرتبط بالموضوع ، الأول يحيل على الإنساني “الفلاح” الصراع بين الشيخ ال(محَفوظ) وأحد عبيده (خشيّن) وولده (خزعل))

وأكمل :أما الثاني ففيه ألم الإنسان ومحنته تجاه الزج به في مسارات من التهميش و الإقصاء …المتمثل بانتفاضات الفلاحين ضد إجراءات القهر والاستلاب الإقطاعي كما حصل في انتفاضة فلاحي آل ازيرج في الجنوب العراقي وتحالف الشيوخ مع الحكومة – الملكية – وبدعم من سلطة الاحتلال البريطاني مما أدّى إلى قمع الانتفاضة ،يمه أنا مثل الغرنوكة ، من تحرس توكف على رجل وحده ، وإذا نامت لو غفت إتطيح ، وإذا طاحت يكتلنها الطيور حد الموت ، يمه أنا واكفه سنين عمري كلها على رجل وحده ، خزعل يمه … ص 130

واوضح :ثم تسير الرواية بعد ذلك في طريقة السرد المستقيم زمنياً، مع تعدد الحكايات الفرعية التي تغني الموضوع وتظهر الجانب الخفي منه، والاستقامة الزمنية دائماً ما تركز على الزمن النفسي، ورصد خلجات الذات في مواجهة “المحفوظ” ثم مواجهة النفس والأعتراف بلحظات الضعف ثم الانتقام الذي هو جزء من التكوين النفسي للمستلب..

وبين :يقوم المتن الحكائي للرواية على موضوعة الصراع في المجتمع الإقطاعي العراقي في اربعينيات القرن الماضي ، وكان هذا الصراع وفق ثلاثية “المنصبة ” وهي اشارة الى الاثافي – مساند يرقد عليها القدر وهي اشارة دلالية الى ثلاثية الصراع –”الفلاح/المحفوظ/سلطة المحتل” (كان كرهاً لأبيه الّذي يخدم المحفوظ حدّاً لا يرى غيره، فلم يكن له إخوة أو عشيرة يمكن أن تدفع الأذى عنه، وإنّ بقاءه من دون ظهر سيجعله فريسةً لوحوش الأسلاف، ومكاناً واطئاً تتجمّع فيه كلّ مياههم الآسنة، فلم يجد إلاّ سلطة المحفوظ يحتمي بها)

وولفت الى انه بالنظر الى تشعُّب الأحداث وكثرتها في هذه الرواية أستطيع أن أقول أن هذه الرواية هي من الروايات التي تجمع الحب والكراهية والغضب والإرهاب في رواية واحدة ،وتاتي الاحداث متلاحقة بعد ان عرف الشيخ أن من تسبّب في موت الكلب اعدّ العدة للعقاب الذي سيكون إخوته قتل خزعل ودفنه إلى جنب الكلب ، وأثناء مداهمة رجال الشيخ لصريفة (خشيّن) تحصل المواجهة المسلحة بين خزعل برصاصات قليلة ورجال الشيخ الذين قاموا بحرق الصريفة بمن فيها بعدما تبين لهم مقتل الشيخ المحَفوظ برصاصة من خزعل.. لينهي فصلا من هذا الصراع .

ونوه الى ان الرواية في نهاية الأمر تسرد تاريخ طولي في المجتمع الريفي العراقي بوصفه حاضرا جرى إنجازه في الماضي فالرواية – بهذا المعنى – تروي فصول من هذا التاريخ فيما يبدو أنه شيء حدث وجرى في الماضي، وهذه هي إحدى مزايا الرواية,

وختم : ان الرواية، ممتعة، جريئة، اقتحمت عالماً إشكالياً غير مسبوق، بشكل غير معهود، وكل ذلك بسرد سلس، ولغة جميلة، وعبارة رشيقة عميقة اقتربت كثيراً من المحكي اليومي ، وتضع المجتمع الريفي أمام نفسه لمراجعة موقفه تجاه الشيخ “المحفوظ” الذين يشاركونه العيش والحياة ، وتسلط الضوء على جملة من السلبيات التي تخلخل العلاقات المجتمعية تلك ، والتي قد تتسبب بمزيد من المشاكل والتوترات. والرواية بالتأكيد بحاجة إلى مزيد من القراءات المتأنية العميقة، ففيها الكثير مما يستحق البحث والدراسة,,

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى