«المراقب العراقي» تفتح ملف المثقف الإسلامي .. بين الدور التنميطي و الدور الرسالي لمواجهة الإرهاب والتخلف

الجزء الثاني
الدكتور عمار صالح العامر
تفتح جريدة المراقب العراقي في صفحتها الثقافية ملفا حيويا بالغ الاهمية يتصل بالمثقف الاسلامي ودوره المعاصر في هذا الراهن الممتلئ بالكثير من التحديات التي تواجه الهوية الاسلامية ككيان و كثقافة يحاول البعض تصويرها على انها المثبط الاكبر لركب تطورنا في الشرق وهو خلاف الحقيقة التي صدع بها القرآن الكريم وما تواتر إلينا من أحاديث أهل البيت (ع )الحاثّة على ضرورة الاستزادة من نمير الحقول الثقافية بما يثري الفرد والمجتمع .. هنا يبرز دور المثقف الإسلامي بديناميكيته التي لو أحسن إستثمارها بصورة ناجعة لحققنا الكثير ..ورغم المصاعب الإجتماعية والسياسية التي تواجه هذا المثقف فإنه سجل بلا شك قدراً من الحضور . .. المراقب العراقي إذ تنشر اليوم الجزء الثاني من هذا الملف تعدكم بنشر المزيد من الملفات المهمة في هذا الحقل المعرفي الكبير …المتفحص في الدلالات التي تفيض بها المفاهيم المذكورة في الجزء الأول من هذه الدراسة يتبين مجموعة من الإشارات التي يمكن تلخيص أهمها فيما يأتي : .
1- إن أدبيات الثقافة العربية تكاد تعكس المفاهيم والتصنيفات الرائجة في الكتابات الغربية ، كما تمثل الإتجاهات والمدارس المعروفة عالمياً في المجال الثقافي . ففي حين تعتمد مدرسة الحداثة على الرؤية الديكارتية لوظيفة المفكر تأتي بعض المفاهيم لتؤكد أن المثقف ناقد إجتماعي يسعى إلى نقد الممارسات الإجتماعية إنطلاقاً من مرجعية نظرية محددة ، وحيث ترى المدرسة الماركسية أن الفكر سلاح يستخدمه المفكر للدفاع عن مصالح الطبقة الإجتماعية التي ينتمي إليها ويمثلها ، يعد المثقف واحداً مما يسمى ” بالإنتلجسيا ” ، وحيث تشدد مدرسة ما بعد الحداثة على أن مهمة المفكر تفكيك وإظهار التناقضات الداخلية تؤكد دلالات بعض المفاهيم أن وظيفة المثقف ليست شيئاً آخر سوى وظيفة إنتاج المجتمع نفسه .
وفي ظل هذا الارتباط الذي يصل إلى حد الأسر للمثقف العربي يعيش هذا المتميز خارج الزمن الثقافي الخاص به والذي تعددت أزماته ، فهو تارة ينافح عن الرؤية الحداثية ويتبنى أطروحاتها ورؤيتها وحلولها ، وتارة أخرى يدعو إلى ثورة ماركسية تطيح بالطبقة الرأسمالية وتبدلها بطبقة الكادحين ، وحين تتعرض الرؤيتان للنقد من المثقف الحداثي يتبنى طرحه ويدعو إلى نتاج فكره وثقافته غير آبه بالتباين بين التجربتين العربية والغربية ، واختلاف الزمن الثقافي لكل منهما . .
وتعبر عن الأزمات التي يعيشها المثقف العربي جملة من الإشكاليات التي تصور واقعه ، حيث عزلته عن الجمهور ، وتدني حضوره في إنتاج المشروع المجتمعي ، وغياب الرؤية الأصيلة لديه التي تدفعه إلى النظر للأشياء من موقعه الزماني والمكاني ، وعجزه عن التأثير في المحيط الاجتماعي وتطوير ثقافة المجتمع ، وغربته داخل نفسه ، وأزمته التكوينية ، ونظرته الاستعلائية التي تغلب على علاقته بالجماهير ، وعلاقته بالسلطة التي تفرز نمطين من المثقفين : المثقف المجامل المتحالف مع السلطة ، أو المثقف غير الراغب في التصدي للتحديات فيلجأ إلى الصمت أو مجرد واصف للظواهر دون الانشغال بها .
لماذا المثقف الإسلامي ؟ حسب ما تفضي إليه هذه المقاربة الأولية لتأصيل مفهوم المثقف العربي وما أدى إليه واقعه من أزمات انعكست سلباً على أدواره ومسؤولياته تزداد الهواجس البحثية المتخصصة لتأصيل مفهوم المثقف الإسلامي وفاعلية أدواره ومسؤولياته علها تمثل مخرجاً حقيقياً من أزمات المثقف التي أشرنا إليها آنفاً ، بحكم انسجامها واتساقها مع المنطلقات الإسلامية التي تحكم الفكر وتشكل بنية السلطة وتعبر عن الحس العام ، وتتسق مع التوجهات التي يصوب نحوها المجتمع المسلم نظراته في تعامله مع التحولات السياسية والاقتصادية والتقنية والثقافية ، وتتجاوز أساليب الضبط السياسي ، والحس الأمني ، وتقضي على حالة الانعزال التي تعبر عن واقع المثقف (غير الإسلامي ) .
ولا يعني ذلك أن المثقف الإسلامي لا يعاني من أزمات وإشكاليات من نوع آخر ، أو عدم وجود أزمات مشتركة ، وإنما يعني تنحي الإشكاليات الجوهرية التي يعاني منها المثقف غير الإسلامي وذلك للأسباب الآتية : .
1- إن المثقف الإسلامي لا يعاني من إشكالية شرعية السلطة ، ولا يشعر بالتناقض حينما يواليها ويخلص لها طالما انها التزمت بالشريعة السمحة التي استلهمت احكام الله وضرورات العدالة الاجتماعية
2 – إن المثقف الإسلامي في الدولة الإسلامية – التي تعتمد الإسلام في حركيتها ، وتكون قادرة على استيعاب قضايا العصر ومشكلاته ، وعلى فهم التحولات الاجتماعية وآلياتها ، وتستفيد من معطيات العلم والتجارب العملية – لا يختزل دوره إلى مجرد ممارسات معرفية بل يكون فاعلاً وناقداً عندما تكون هناك ضرورة للنقد البناء ، كما أنه يتابع الأحداث ويحلل الظواهر الاجتماعية ، ليبدي رأيه فيها ويسعى لمعالجتها انطلاقاً من واجبه الإسلامي وتكليفه الشرعي .
3 – إن المثقف الإسلامي لا يعاني مشكلة الاغتراب عن الأوطان التي يعانيها المثقف غير الإسلامي الرافض للواقع ، المعزول عن النسق الاجتماعي والسياسي لمجتمعه الذي يعيش في محيطه ، المعبر عن توجهات ثقافية تغاير ثقافة الأفراد ، فما يحمله المثقف من ثقافة عالمية منتمية لإحدى المدارس تجعله يشعر بالغربة الحقيقية ؛ لأنها تتعارض مع الواقع الاجتماعي ، وتتجلى تلك الغربة في الانعزال عن الممارسات التغييرية في الوسط الاجتماعي التي ينبغي أن تكون الهم الأول للمثقف .
4 – إن المثقف الإسلامي يتجاوز ما يعانيه المثقف غير الإسلامي بشأن تشكيل مرجعيته الثقافية ، والتي يتمكن بها من ممارسة أدواره في دائرة الواقع ليصنع المستقبل كما يبنى الحاضر على ضوء وعيه الحضاري بالإسلام معتمداً على التراث الاصيل المرتبط بمعطيات الحاضر ، ومستوعباً قضايا العصر في إطار هذا الوعي .
5 – إن وضوح المرجعية الثقافية للمثقف الإسلامي تمكنه من وضع الفواصل الحقيقية بين الأنا والآخر ، ولا توقعه في عملية الانصهار بين الطرفين – الأنا والآخر – ، ولا تؤدي إلى هيمنة الآخر على الأنا هيمنة ثقافية تسلبه كل معالمه التكوينية وتطمس ملامح هويته الحضارية ، ومن ثم يتجاوز تلك الإشكالية التي يعاني منها المثقف غير الإسلامي الذي قد يتخلى عن الكثير ليلتحق بالآخر ( الغرب ) لدواع (حداثوية ) ، أو يحاول أن يجد صيغاً توافقية بين الإسلام والأيديولوجيات الأخرى ، فينتج لنا ثقافة إسلامية مشوهة ، أو يعيش حالة من التناقض في مجتمعه تنعكس على ثقافته وعلى فقدان القدرة التأثيرية في محيطه الاجتماعي .
ومن ثم تتضح أهمية دور المثقف الإسلامي في هذا المنعطف التاريخي الصعب الذي تعيشه الأمة ، وتتنامى ضرورة التأصيل المنهجي للمفاهيم والدلالات التي تؤصل مفهوم المثقف الإسلامي وتوضح في الوقت نفسه الفرق بين هذا المفهوم والعديد من المفاهيم التي تتداخل معه ، وهذا ما نهدف إليه فيما يأتي :
يكمن الاختلاف فيما يشير إليه مفهوم المثقف الإسلامي بوصفه تعبيراً عن جوهر ثقافي يتوازى مع التيارات الثقافية التي يشملها المجتمع مع تميزه عنها ، وتجاوزه لإشكاليات تلك التيارات كما سبقت الإشارة وبوصفه أيضاً مفهوماً يتداخل مدلوله المعرفي العام مع الفقيه والمفكر ، ويواجه إشكاليات نوعية في عالمنا الإسلامي .
ولقد اهتمت بعض الكتابات بتشخيص مكامن الاختلاف ودراسة تلك الإشكاليات في محاولة لتحديد المدلولات الخاصة بكل من المثقف والمفكر والفقيه ، وحاولت وضع فروق واضحة على مستوى المفهوم أو الاصطلاح والمعنى ، وألقت الضوء على حضور هذا التقسيم في التاريخ الإسلامي بما أضفى عليه شكلاً شبيهاً بالقانون الاجتماعي في سياق تكون المذاهب الفقهية والكلامية ، والانقسام بين الفقهاء والمتكلمين والأمراء ، والتفكك بين فئات العلماء والمثقفين بعد الهزات الاجتماعية والأيديولوجية والعلمية التي تعرض لها العالم الإسلامي جراء الانقسام الواضح بين العلوم العقلية والعلوم النقلية فضلاً عن الانقسام بين مجموع العلوم النقلية نفسها وداخل العلوم العقلية أيضاً .
وأدى ذلك إلى ظهور إشكاليات تتعلق بمصطلحات الفقيه ، والمفكر ، والمثقف ، والفواصل بينها ، ووعي التراث والعصر لدى كل منهم ، وإشكالية التخصص والأدوار ، وأسس التكامل وأطره ، وأسفرت المقاربات الأولية بين هذه المصطلحات الثلاثة عن التعريفات الآتية : . الفقيه :
العالم العادل بالأحكام الشرعية العملية من الحل والحرمة والصحة والفساد من اتصف بالفقاهة ” وهو هنا في مدرسة اهل البيت يمثل موقع النيابة العامة عن الإمام الحجة المنتظر (عج ).
والفقيه هو المتخصص في الفقه الإسلامي ، وصاحب رأي في أحكامه ، قادر على استنباط الحكم الشرعي من مصادر التشريع المعروفة وفي جميع مجالات الحياة التي تستوعبها أبواب الفقه المختلفة ، من خلال فهم النصوص الشرعية والمراد منها فهماً علمياً دقيقاً خاضعاً للقواعد المثبتة في علوم القرآن ، وعلوم الحديث ، ومرويات اهل البيت وعلم أصول الفقه ، إضافة إلى علوم اللغة العربية . واصطلاح ” الفقيه ” يرادف اصطلاح “المجتهد ” ، وهناك من المتخصصين من يعطي الفقيه دائرة أوسع تجعله المرجع للأمة في أمورها الدينية والدنيوية .
المفكر :
” الفكر : بكسر فسكون .. أفكار من فكر : إعمال العقل بالمعلوم للوصول إلى المجهول التفكير ” وعرفه كل الغزالي بأنه : ” إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة ” ، وقال الجرجاني : ” الفكر ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول ” ، وهذا يعني أن المفكر ينتقل من المقدمات والمبادئ التي عنده إلى النتيجة التي يبنى عليها عمل . إنه في الفكر الإسلامي صاحب رأى في مجالات الحياة من خلال تعمقه في الأفكار الأخرى ، وقدرته على تحليلها ومحاكمتها ، والتأسيس للأفكار والنظريات الإسلامية الجديدة .
هو المطلع – إلى حد الاستيعاب – على الواقع وتطوراته وتياراته الاجتماعية والفكرية والعلمية ، وهو لا يمتلك رأياً فقهياً أو فكرياً اجتهادياً خاصاً به – تمييزاً له عن الفقيه والمفكر – بل إنه يحمل الأفكار ويستوعبها ثم ينشرها ويشرحها في هذين المجالين ، أي أنه يتحرك في إطار مرجعية علمية وفكرية تحركاً واعياً وهادفاً وتكاملياً .
والمثقف الإسلامي نوعان :
– موسوعي : وهو الملم بأكثر من مجال ثقافي .
– تخصصي : وهو المتخصص في أحد العلوم الإنسانية ، كالاجتماع والسياسة . . .
وتأكيد مصطلح ” المثقف الإسلامي ” وليس ” المثقف المسلم ” هنا هدفه التفريق في المدلول والمفهوم والدور بين المثقف الذي يمتلك هوية ثقافية معينة وينتسب للإسلام وراثيا ، وبين المثقف الذي يتبنى الإسلام نظاماً حيوياً متكاملاً ، ويشكل الإسلام بعداً فكرياً في شخصيته ، ويتحرك اجتماعياً وثقافياً وفق هذا الانتماء . وبناء على ذلك فالمثقفون الإسلاميون هم طليعة الأمة والجهاز التنفيذي لحركتها من خلال هضم واستيعاب التراث الإسلامي الفقهي والعقدي والفكري الذي يحكم طرحهم الثقافي من خلال ثلاث مهام أساسية هي : .
1- بث الوعي : تعد توعية الناس من مهام المثقف الإسلامي من خلال بث الثقافة الإسلامية السليمة وإشاعة القيم الحقيقية التي يتبناها الإسلام ، وإثارة وعي الأمة حول القضايا الراهنة والمصيرية ، وتمكين أفراد المجتمع من التمييز بين الثقافة الإسلامية الأصيلة والثقافة الدخيلة وبين ما هو خرافة وانحراف وما هو حقيقة دينية ، وهو المسؤول عن الوصول بوعي الأمة إلى المستوى الذي يؤهلها للقيام بدورها الحضاري في إطار من الترابط بين الثقافة والسياسة .
2- النقد : ممارسة النقد وظيفة أساسية لتطوير أي عمل سواء كان ثقافياً أم سياسياً أم اجتماعيا ، وعندما نستثني ” المقدس ” ( النص القرآني ، وما تواتر على شروط الصحة من الحديث المقطوع بنسبته للنبي الاعظم واهل بيته الاطهار ع ) يجد المثقف الإسلامي أمامه مساحات واسعة للنقد البناء الهادف إلى تطوير المجتمع وإحياء القيم الإنسانية ولا سيما إذا كان المثقف يجيد آليات النقد ويتقن استخدامها ، حينها سيكون سبباً لتشخيص مواطن القوة والضعف . وينبغي للمثقف وهو يمارس النقد التوافر على خلفية قادرة على تحديد المساحات الخاضعة للنقد من حيث طبيعتها وخصائصها والظروف التي تمر بها ودرجة أولوياتها لكي تكون العملية إيجابية وباتجاه البناء والتقويم والتجديد والتطوير ، بالإضافة إلى ذلك تقع على المثقف الإسلامي تنمية الحس النقدي عند الأمة لكي تتفاعل مع عملية التجديد والتطوير .
3- تبني قضايا الأمة : المثقف الإسلامي هو الذي يحمل هموم أمته ، وهو لسان حال المجتمع ، يتبنى قضاياها ويدافع عنها ولا يجوز له أن يتخلى أو يتقاعس أو ينظر لها نظرة فوقية تفوت عليه دوره الحقيقي في الوسط الاجتماعي . ولكي يكون المثقف أكثر مصداقية ينبغي أن يكون أول مضحٍ من أجل الأمة وقضاياها المصيرية ، وأشد التزاما بالقيم ، وأكثر تعهداً بالمبادئ ، محتكماً إلى الأسس الدينية والأخلاقية ، وأن لا يتجاوز في سلوكه الحدود الشرعية ، وتمثل هذه المهمة الحقل التطبيقي للمثقف ، ودائرة مصداقيته وسط الأمة ، وعليها يتوقف نجاحه في أداء مهمته ، ولا يعني إسناد هذا الدور إلى المثقف إلغاءً لدور غيره ممن تقع عليهم مهام أخرى ومسؤوليات تختلف طبيعتها عن هذه المسؤوليات ، وعندما يمارس المثقف الإسلامي دوره وسط الأمة لا يحجّم دور الفقيه والمفكر الإسلامي وإنما يتداخل ويتكامل معهما .




