ثقافية

«أحلام» مجال ديمقراطي مفتوح لمناقشة الخصومة والعداوة

المراقب العراقي/ متابعة…

يعتبر إبراهيم حريري من الروائيين المغاربة، الذين يتقنون النبش في تاريخ وقضايا المغرب المعاصر، وإعادة سرد الصور التي سقطت من مؤلفاته بلغات الحكاية وتقنياتها، التي تجعل الماضي ــ القريب أو البعيد ــ يستعيد حقه ودوره في التعبير والتصحيح والنقد والمساءلة.

تسرد رواية «أحلام» حكاية محمد بن صالح الطيار المغربي الذي أُسقطت طائرته في حرب الرمال، وتم اعتقاله، وظل لما يقارب خمسا وعشرين سنة في معتقل البوليساريو «الرابوني 2»؛ معتقل يتغير مكانه كل مرة في أطراف الصحراء ومساحاتها اللامتناهية، بدون أن يتغير اسمه وسجَانوه، أما سُجناؤُه فيتناقص عددهم وتتغير صفاتهم وملامحهم الخارجية والداخلية بين اللحظة والأخرى، غير أن الرواية منحت لأحلام محمد بن صالح، ولدورها في تحرير الأب الذي غيبه عنها الاعتقال، فظلت تنتظر عودته حاملا هدية عيد الميلاد منذ طفولتها، ولمعاناتها ومعاناة أمها التي رفضت رغم طول سنين غياب الزوج محمد بن صالح قبول لقب الأرملة، المساحة الأوسع في الحكي والمساهمة في تطور الحدث، بدل أن تركز على تصوير أشكال التعذيب والتحقير، الذي لحق الأسرى، مثلما نجد في روايات أخرى تنتمي إلى دائرة روايات «السجن السياسي»، التي يطغى عليها تصوير معاناة السجين في تغييب شبه مطلق لمعاناة الأهالي، والرواية بذلك تنحت لنفسها فرادتها، وتسوغ لعنوانها (أحلام)، وتُؤكد بُطُولَتها في المقاومة والمرافعة وتمنح لاسم أحلام دلالته ومعناه، وتجعل من أحلام تلك التي تتحقق أحلامها كل مرة لا بمحض المصادفة، بل برهان التحدي والمواجهة والإرادة «وتحقيق انتصارات متتابعة».

جعل الكاتب من روايته مجالا ديمقراطيا مفتوحا لمناقشة قضايا الخصومة والعداوة والنزاعات، وسمح بالتعبير عن الرأي فيها لأولئك الذين لم يأخذوا حقهم في ذلك من قبل؛ ضحايا تلك الخصومات والنزعات، والذين ظلوا في الهامش بصمت التاريخ عنهم، أو نتيجة القمع والإقصاء والهيمنة وسحب الكلام منهم، والذين إن تحدثوا، فإنهم لا يتحدثون لغتهم الخاصة، بل لغة غريبة تم فرضها عليهم. وتفسح الرواية كذلك المجال للذات الأنثوية لتعبر عن رأيها، وتثبت قدرتها على الصمود أمام أشكال الإضعاف والإخضاع والإذلال والقمع، وهي بذلك تنتصر للفعل الأنثوي وقدرته، لا على مواجهة الفكر الذكوري وهيمنته، بل المواجهة معه وإلى جانبه، إذ رغم الحضور القوي والمهيمن لرأي وتأثير شخصية فريد لزرق في إيجاد حل لقضية الأسير محمد بن صالح، فإن لأحلام بن صالح دورا في صناعة هذا الحل لا يقل عن دور لزرق، حتى بدموعها أمام البشير زعيم البوليساريو. مثلما لجميلة الوافي الزوجة المحرومة من زوجها وحنانه، التي تركها وهي في عنفوان شبابها، وما زالت في حاجة إلى الحماية والمساعدة في تربية طفلتها، بإخلاصها ووفائها ومقاومتها لظلم الأهل وقسوتهم، والمؤمنة بأن محمد بن صالح حي ما لم تر جثمانه، ونقلت لابنتها إيمانها المطلق وأملها في عودته وصبرها في انتظاره، دور أساسي في الكشف عن مصيره والسعي إلى تحريره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى