جذور نظرية الأجناس الأدبية في النقد العرب القديم

عمر رعد…
عُرف الناقد الأكاديمي فاضل عبود التميمي باهتمامه بالتراث الأدبي والفلسفي عند العرب؛ إذ تؤسس قراءاته للمتون النقدية القديمة وعيا نقديا ونظرا تأصيليا لكثير مما نقرأه اليوم، من طروحات نظرية وإجراءات منهجية وافدة إلى العرب، ويُعدّ كتابه «جذور نظرية الأجناس الأدبية في النقد العرب القديم» الصادر عن دار مجدلاوي في الأردن 2017 تجربة حفرية، تمتد برؤى حداثية معاصرة إلى بواكير تأسيس الظاهرة الأجناسية العربية، وفق معطيات ومعالجات تنسجم مع طبيعة النص وطرائق تلقيه، فمن المعروف أن البحث الأجناسي يرتبط بـ(نظرية الأدب) بوصفها أسساً فلسفيةً تسعى لإرساء قوانين الكتابة الأدبية، وإبراز وظائفها التكوينية لتحقيق توزيع منتظم يراعي معايير تمييز الأجناس، وتصنيفها وبيان خصوصيتها، وتعالقاتها وإشكالياتها، ويمكن القول إنّ المؤلف في إجرائية تحليل المتون النقدية في ذلك الكتاب فرّق بين (نظرية الأدب) بمفهومها الشمولي و(نظرية الأنواع الأدبية) التي تقف عند طبيعة الجنس الأدبي وتضع قواعده وتؤسس لمقوماته البنائية، فحديثه يجعلنا أمام مفهوم الجنس الأدبي، وظائفه، علاقاته، أسسه التصنيفية، أثر الذائقة في ظهوره، التطور الأجناسي.
ومن هنا يكون قد دقّق النظر في الجنس الأدبي أكثر من مجرد الحديث عن النظرية الأدبية، وما تشتمل عليه من موضوعات تتعلق بالأدب وتاريخه ونقده، أو نقد النقد التي تسعى للإجابة عن أسباب وجود الأدب، وعن أسسه التصنيفية، وما الذي يجعل الكلام أدبا؟ والحدود الفاصلة بين الأجناس ومواضع تداخلها وطرائق ولادتها، وهي رؤية يستثمر المؤلف صداها من الخزين المعرفي الإنساني، منذ بيانات أرسطو امتدادا إلى الدعوات الحديثة التي تتباين في طرائق النظر إلى الأدب، لتخرج في النهاية إلى أن لكل جنس أدبي خصوصية يختلف بها عن غيره شكلا وماهية ووظيفة.
تتوزع خريطة الكتاب على مقدمة يعرض من خلالها المؤلف الوعي العربي والغربي في الأجناس الأدبية، مشيرا إلى تأخّر العرب في تطوير رؤاهم النظرية للأجناس، مع أنهم عرفوا الأجناس بما ينسجم مع ذائقتهم الخاصة، التي تنطبق على نصوصهم منذ وقت مبكّر، يسبقها تقديم أحمد مطلوب (رحمه الله) الذي بيّن فيه أنّ خصوصية هذه الكتاب تتمثّل في منهجية واعية، تبرز التراث بما يكتنز من آراء خصبة في الأجناس الأدبية، التي ظن بعض الباحثين أن التراث لم يمس أصولها التي مثلت دعوة النقاد العرب القدماء للتميمي، ليتناول نتاجهم الأدبي، ويقف عند ملامح الأجناس في مؤلفاتهم وقفة جادة، تستخلص أبعاد الجنس الأدبي، وتؤسس لحدوده وتستنبط قوانينه.



