واشنطن قلقة من الصواريخ فائقة السرعة: تأخرنا كثيراً

بقلم/جعفر الجعفري…
منذ الأشهر الأولى لتسلم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب مهامه، سرى قلق جدي في البنتاغون، وعلى أعلى مستويات القيادات الهرمية، منبعه تبلور القوة العسكرية الصاروخية لكل من الصين وروسيا بمعدلات سبقت فيها الولايات المتحدة، وذلك بإقرار مدير مختبرات البحث والتطوير في البنتاغون ستيفن ووكر، معلناً أن الصين تخطت خصمها الأميركي “بنسبة مرتين أو ثلاث مرات”، ومطمئناً قادة الكونغرس، وخصوصاً صقور الحرب، إلى أنَّ الجهود الأميركية الحثيثة ستفضي إلى إجراء أول تجربة “على صاروخ أسرع من سرعة الصوت قبل حلول العام 2020”.
مع حلول منتصف العام 2018، تداعى ثلاثة من كبار القيادات المدنية في البنتاغون إلى الكونغرس، في جلسة مشتركة شارك فيها وزير سلاح القوات البرية مارك أسبر، ووزير سلاح البحرية ريتشارد سبسنر، ووزيرة سلاح القوات الجوية هذر ويلسون، وأعلنوا العمل المشترك لتطوير “أسلحة فائقة السرعة وقادرة على اختراق أكثر نظم الدفاع الجوي العالمية تطوراً” (نشرة “ستارز آند سترايبس”، 25 تموز/يوليو 2018).
الردّ الأميركي على صواريخ الخصوم “الفائقة السرعة” يتمركز حول حثّ الخطى لإنتاج سلاح مماثل، رغم الفجوة التقنية بين الجانبين، واتخاذ خطوات آنية تتمثل في “نشر طبقة من أجهزة الاستشعار في الفضاء لرصد صواريخ العدو” تؤيدها الإدارة الراهنة، ما يتيح الفرصة لواشنطن “للتصدي للأجسام العدوة في الدقائق الأولى من تحليقها، والتي ما تزال المحركات فيها تتغذى بالاحتراق” (نشرة “ميليتاري تايمز”، 24 كانون الأول/ديسمبر 2019).
تلقى البنتاغون نكسة قبل أيام معدودة في 6 نيسان/أبريل الجاري، بإعلان سلاح الجو عن فشل تجربته الثانية لإطلاق صاروخ أسرع من الصوت، محمول على القاذفة الضخمة من طراز “بي-52” فوق أجواء المحيط الهادئ، للتيقن من “قدرة الصاروخ على الوصول إلى السرعات التشغيلية وجمع البيانات المهمة الأخرى”، بحسب بيان سلاح الجو، ومن ثم عودة القاذفة بحمولتها إلى قاعدة “إدواردز” الجوية في ولاية كاليفورنيا. وأقر عدد من الخبراء العسكريين بأنَّ الجهود المبذولة للتوصل إلى نتائج سريعة قفزت عن المعايير المطلوبة في إجراء تجارب مكثفة على كل مراحل التطوير قبل الانطلاق.
كما أعلن البنتاغون في مرحلة سابقة عن خططه الطموحة لإجراء “نحو 40 تجربة” على صواريخ فائقة السرعة في السنوات الخمس القادمة، مع علمه بعدم توفر ما يكفي من بنى تحتية مهيأة لذلك في الوقت الراهن، مثل توفر “أنفاق رياح لقياس سرعات أعلى من سرعة الصوت”، وتقصيره المتعمد لمديات التجارب الميدانية.
اهتزَّت أركان نظرية التفوق العسكري وقائماتها، ليس لدخول صاروخ “أفانغارد” الروسي فحسب، بل أضيف إليه أيضاً صاروخ “زيركون” المجنح المضاد للسفن والأسرع من الصوت بـ 8 مرات (تشرين الأول/أكتوبر 2020)، الذي صادف الإعلان عن نجاح تجربته بالتزامن مع “عيد ميلاد الرئيس بوتين الـ68”. يطلق حلف الناتو على “زيركون” تسمية “أس أس – أن – 33”.
تناولت الدورية العلمية الأميركية “بوبيولار ميكانيكس” مزايا هذا الصاروخ عندما كان في مرحلة التطوير، وقالت محذرة: “لو استطاعت سفينة أميركية رصد تحليقه من مسافة بعيدة تبلغ 100 ميل، فلن يتوفر لديها سوى دقيقة واحدة للتصرف حياله” (26 نيسان/إبريل 2016).
وأضافت أن درة الدفاع الجوي الأميركي، ممثلة بمنظومة “إيجيس”، تتطلّب من “8 إلى 10 ثوانٍ لاتخاذ قرار اعتراض الأجسام المهاجمة. في تلك الثواني الحساسة، سيكون الصاروخ الروسي “زيركون” قطع مسافة 20 كلم، والصواريخ المعترضة لا تحلق بسرعة كافية للحاق به”.
وأضافت النشرة العسكرية الأميركية “ميليتاري دوت كوم” أن “زيركون 3 أم 22 الروسي يطير بسرعة عالية جداً بفعل وقود متطور، 6 ماخ، في مسار صاروخي هوائي متدنٍ، يشكل الضغط الهوائي الناتج أمامه غيمة من البلازما قادرة على امتصاص الموجات الهوائية، ما يحيله إلى جسم غير مرئي على شاشات نظم الرادار” التقليدية المضادة للصواريخ (مقال بعنوان “لماذا لا يستطيع الرادار اكتشاف صواريخ روسيا الفرط صوتية؟”، 2021).
لو عاد المرء بضعة عقود إلى الوراء، لتوصّل يقيناً إلى أنّ التقنية الصاروخية المذكورة لم تكن وليدة العقد الثاني من القرن العشرين، بل بدأ العمل بها خلال الحقبة النازية في الحرب العالمية الثانية. وتوصل العالم الألماني يوجين سانغر إلى تصميم مركبة تنزلق بسرعة تفوق سرعة الصوت، أطلق عليها اسم “سيلبرفوغل” أو “الطائر الفضي”، في مدار الأرض، باستطاعتها قصف أهداف في الولايات المتحدة انطلاقاً من أوروبا، وتتميز بالانزلاق السريع من المدار الخارجي والعودة إليه مرة أخرى أثناء التحليق، بسرعة قصوى تفوق سرعة الصوت بـ17 مرة، 17 ماخ.
تصوّر التصميم الأولي لسانغر تحليق المركبة على مدى 19،000 إلى 24،000 كلم، ومكوثها فوق الهدف وقصفه بقنبلة تزن 8،800 رطل، والعودة إلى قواعد آمنة لدول الحلف في اليابان، استناداً إلى قانون الطاقة النسبية في الفيزياء: الطاقة = ضرب الكتلة في مربع سرعة الضوء. وما حال دون تحقيق سانغر رؤيته هو التطور البدائي للعلوم الطبيعية، وخصوصاً الفيزياء، في ذلك الزمن الغابر (نشرة “إيروسوسايتي دوت كوم”، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2019).
إنَّ تطوّر التقنيات والعلوم الحديثة وفّر للأقمار الاصطناعية فرصة استشعار الهواء الساخن الناتج من انزلاق مركبة بسرعة تفوق سرعة الصوت عدة أضعاف. وتمتلك كل من الولايات المتحدة وروسيا نظم إنذار مبكر على متن الأقمار الاصطناعية، تستطيع رصد القوة الحرارية الهائلة الناجمة عن مرحلتي احتراق وتزلج المركبة الحاملة للصاروخ خلال خط تحليقها في الفضاء الخارجي، لكن تقنية الرصد لا يواكبها توفر نظم دفاعية مضادة للصواريخ للتعامل مع تلك الأجسام الطائرة بسرعات فائقة.
في العصر الراهن، تنحصر جهود الولايات المتحدة في إنتاج سلاح تقليدي أسرع من الصوت، وهي في سباق متسارع مع الصين وروسيا لإنتاج نموذج صالح لدخول الخدمة العسكرية في أقرب فرصة زمنية ممكنة. في المقابل، أدخلت روسيا صواريخ فائقة السرعة لأغراض استراتيجية، من مثل “أفانغارد” و”كينجال”، من شأنها أن تحل محل الصواريخ الباليستية بتقنيتها الراهنة.
أما الصين، بحسب البيانات العسكرية المتوفرة، فهي تعكف على إنتاج صواريخ أسرع 5 مرات من الصوت، ماخ-5، وبكلفة أقل، أطلقت عليها اسم جيل “أس أف-17”. ونظراً إلى تدني كلفة الإنتاج مقارنة بالتقنية الأعلى، تستطيع الصين إطلاق سيل كبير منها في حالة الهجوم، بشكل يربك نظم الدفاع الجوية الأميركية، وخصوصاً تلك المتموضعة على السفن الحربية الحديثة.
تسير بريطانيا وفرنسا بالتوازي لإنتاج صواريخ فائقة السرعة، لاستبدال نظم “هاربون” و”اكسوسيت” تباعاً، ويتوقع دخولها الخدمة في العام 2030.



