ثقافية

“مبكراً في صباح بعيد” الحياة نزهة في جوف بركان

المراقب العراقي/ متابعة…

يغسل الصباح الأرض بضيائه بعد الظلام حتى تتراى للماشين بنزهة كأنها أرض بيضاء كما صدّق الشاعر باسم فرات في قصيدته التي تحمل ذات الاِسم حيث يقول :الأرض بيضاء تلك التي حسبها الغرباء كتف امرأة عارية فقضموها “وليواروا سوأتهم رجموها بالوشايات “ والحديث هنا عن قارة أفريقيا السوداء التي يحاول الشاعر أن يختصر تاريخ مستعمريها باستخدام كلمة القضم / السيطرة لنهب ثرواتها يقابلها فعل التعري/ الذي يتعدّد إلى أكثر من رمزهنا لرسم ملامح القارة / المكان الذي يقيم فيه الشاعر في دولة السودان فهو: الفطرة التي تحتفي بعناصر الطبيعة وتتعايش معها والتصالح مع الموجودات فيها الذي لا يملكه الغرباء المنحدرون من عرق حزين الذين أشاعوا عنها صفات تحط من عرق سكانها السود لتجريدهم من إختيارهم الأنساني الحر ولمصادرة أراضيهم وضمّها للإِمبراطوريّة التي كانت لا تغيب الشمس عنها القائمة على اِستعباد الآخر وسلب روحه العظيمة,

وضمّت المجموعة الشعريّة الصادرة عن الهيئة المصريّة العامة للكتاب ما يقارب من أربع وثلاثين قصيدة اِشتغل الشاعر فيها على موضوعة الحنين النوستالجيا في مجمل قصائده بالاِضافة لموضوعة الحرب التي لا تخلو مجموعة شعريّة عراقيّة صادرة في الثلاثين عام الأخيرة منها ربما لأن الحرب مازالت الحدث المأساوي الأعظم في حياة العراقيين وكأنهم تقاسموا حصصها بالتساوي بين قتيل تحت التراب وشريد ما زال عالق في التراب كما يقول الشاعر في قصيدة : “الحرب ” التي كتبها بذاكرة طفوليّة تصف الفقد الذي يلي الحرب بالوحش المخيف الرابض داخل أروقة البيت غير مغادر يملاُ السنين القادمة بأنفاسه عواءً كما في الأبيات الآتيّة :

مبكراً في صباح بعيد”

رأيت الفقد يفترس العائلة

في حجرات البيت

حفر أنفاسه

ومن السقف تدلت نظراته

أنيابه تحيط بالدوران

تهتك الأبواب والأقفال

ينفث فيها سمومه

في صباح بعيد

رأيت شبابيك

تغتسل بحسرات الوداع

وبيتاً يخنقه عواء “

ولا بد من الاِشارة هنا لهذه القصيدة التي أنجزها الشاعر بدقة متناهية باِختزال المفردات التي تنسجم مع معانيها انسجاماً تاما لترسم مكان الحدث متمثلاً بالبيت / الوطن كوحدة متكاملة من العلاقات الانسانيّة الأليفة تهشمها وتفترسها الحرب / الوحش التنين المتمدّد بهيئته التي لا تقف بوجهها أبواب أو أقفال وقد نجح في كتابة قصيدة متميّزة عن ويلات الحرب وما يتبعها من خراب دون الوقوع بالسائد والمكرّر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى