حياكة القدر في رواية «الريش» لسليم بركات

غمكين مراد..
الحياة، المصير، القدر، بَعدَها تأريخُ العُمرِ فيها حين مرّ، أو رُبما قد عاش، مُضيِّاً مع الزمنِ المُظلِّلِ لأنفاس اللحظةِ في الحياة، مُتأملاً مع وبالدهشةِ الراسيةِ على أوجه المصير، قانعاً مع وبالنُكران لحياكةِ القدر المغروز على جبهة ما، قد كان وما صار، وما قد يكون، يتأرجح العُمر وتتأرجح الأيامُ على حبل سيرك الحياةِ، مُثبتاً بطرفي حبلٍ للمصير والقدر، كريشةٍ هائمة على صفحة الهواء تغتالُ وجهتها وجهاتها، جُباةُ الهواء من ريحٍ وعراء.
الريشةُ بما تحملُ في مكنونها من تحليقٍ وطيرانٍ من وإلى؟ والريشةُ بما تعنيه من الخفةِ والتذبذُب والانكماش بلهبٍ بسيط وهسهسةٍ، مع صوتٍ للألم يخصُّ من أصبحت روحه روح ريش، و»الريش» كعنوانٍ لرواية هو عنوانٌ مُستفزٌ، بتناقضاتِ المواصفات المكونة للريش، وسليم بركات كاتبُ الرواية يجعلُ من الريشِ ظِلاً تكونُ تحت فيئه الحياةُ في موت، والموتُ في حياة: «سأموت، أعني إنني سأُقررُ هذا الموت انتقاماً من مفاجأة الموت».
يخترقُ سليم بركات بالريش الحواجز والحدود فيُآخي بالريش الأمكنة، ويُعيدُ بالريشِ صياغة الحياة، كما الريشةُ في تدوين الكتابة، وكمّا حياة حَرضت على الرحيلِ والبقاء على حدٍّ سواء، في وإلى أمكنةٍ هي تختارُ مصيرَ ساكنيها وتُحرِّضُ على الطيران من قيدٍ إلى حريّةٍ، ومن لا منطقٍ قاسٍ إلى آخر مرن: «ذَكرَني العراءُ الممتدُ إلى الجهةِ الجنوبية بعراءٍ لم أنسَهُ بعد، خامرني إن شعاعات الشمس التي تدخلُ غرفة النوم، من خلال شجيرات الليمون هي ذاتها التي كانت توقظُني صباحاً في وقتٍ ما، من سنين بعيدة لا تشبه سنين هذا المكان».
كما الآلهةُ عند الإغريق حين يُخيِّطون القدر ويشذبونه ويقصونه، وانطلاقاً من: «وكأنّما يُخيِّطُ القدر للموتِ قميصُه المُمزق» يأخذُ سليم بركات من «دينو» الحالم بجنون اليقظةِ في مُصادفاتٍ للمصائر، فهي تختارهُ، إما مُلهِماً أو رقيباً أو شريكاً بوعيٍّ أو بدونه، يَسردُ الحلم واقعاً ويمسكُ بالواقعِ حلماً، تتداخلُ فيه وعليه أوجه الأمور، فيسرُدُ أولاً ما هو واقعٌ في حلمٍ كتخاطُرٍ روحي عن توأمه، أو بما هو نفسهُ «مم آزاد» العائد إلى الحياة في مكانٍ خلفهُ، الهروبُ إليه أُمنيةٌ أو سيرةٌ أو جزءٌ من الرحيل إلى هناك، صوتٌ دائماً ما يئزُ في المُناداةِ لمن هو منفيٌّ في منبته، ولا يجدُ نفسه إلا في الرحيل إلى منفى الأمنية، كما يترددُ على لسان «مم آزاد»: « لكنني لم أقترب منه كثيراً كأخ، إذ كنتُ كلما حدقتُ فيه أو كلمتُهُ كلاماً عارضاً، أجدُ فيه نفسي ذاتها».
يستمدُ سليم بركات من القواسم المشتركةِ علمياً بين التوأم الواحد، بحيث يُزاوجُ بين حياة «مم آزاد» في مكانٍ في قبرص وحياة «دينو» رُبما الحقيقي في مكانٍ في الجزيرةِ الكردية شمال سوريا.



