ثقافية

حينما تكونُ القصّةُ غيرَ كافية!

تحسين علي كريدي…

في وقتٍ ما، لن يكونُ هنالكَ من متّسع لسرد قصّة. حينما تحاصركَ الحياةُ في الزاوية: لن تكتبَ قصّة. وحينما تكتبُ القصّة، وتعتقدُ بأنّكَ قد أكملتَ مشواركَ معها، وتكتشف بأنها لم تعُد ذاتَ القصّةَ التي بدأتَ بها! إنَّ القصّةَ مخلوقٌ حيّ، وذو مشاعر، وهو في الحقيقة مخلوقٌ غير مكتمل النضج، مهما كبرَ في السن، أو بالغَ في الحكمة. تلكَ القصّةُ، حينما تبدأُ في النضج، تقومُ بتغيير قناعاتها، وتلبسُ الثوبَ الذي تختارهُ في مسيرتها نحوَ النهاية المحتّمة. إنَّ الطبيعيّ لبني البشر، أن تكونَ النهايةُ بالموت، لكنَّ القصّة تختارُ نهاياتٍ مختلفة، قد لا يكونُ الموتُ أسوأها.. ففرج الدلّال في (فرنكشاتين في بغداد) لم يمت في النهاية، برغمِ موت الكثيرين من حوله، ممن كانوا لا يستحقونَ هذا المصير. وفي قصّةِ ميري شيلي، يختفي المسخُ، ويبتعد ويتوارى عن الأعيُن المحاكمة له، لاختلافه، وهو بهذا الفراق الاختياري، يكونُ قد اختارَ أن يخاصمَ العالم: ذلكَ العالمُ الجاحد، الذي حكمَ عليه، وحسبهُ ندًا يجب أن يكونَ حتمًا في خانةِ المختلف، أو العدو! وبرغمِ أنَّ مسخَ ميري شيلي، اختار النكوص، والهربَ من منفاهُ العام، واختارَ أن يعيشَ في منفى أثير، يعيشُ فيه براحة؛ إلا إنّهُ لم يكُن بالشخصيةِ السلبية. إن القصةَ تعتاش على السؤال، مثلما يعيشُ البشرُ على الخبز. ففي مسرحيةِ ( في انتظار غودو) لصامويل بيكيت، لم يكُن السؤال، مطروحًا كنهايةِ للأحجيةِ الغريبة، التي بدأت في غيابِ البطلِ الغيرِ منظور. لكنّه استمرَ يطرحُ نفسهُ كذاتٍ موجودة في حلبةِ الصراع، بين فلاديمير، وأسترجون، وبوزو، ولاكي، والطفل: الذي لعبَ دورَ الرسول، أو النبيّ المبشّر. إنَّ السؤالَ المضمن، والمضمر، والنيّةَ الخابية، قد تكونُ أبلغُ بالوصول لنهايةِ ما! وبعكسِ ما فعلَ بيكيت، اختارَ غابرييل غارسيا ماركيز أبطالهُ الذين يظهرونَ في تلكَ البقعةِ البيضاء التي تسبقُ الحدث، وتتلوه، بعنايّة. في (قصّة الموتِ المعلن) وبطلها الميّت، سانتياغو نصّار، أو في (ليسَ للكولونيل من يكاتبه) وبطلها الإشكالي، الذي ماتَ أيضًا، تاركاً أبوينِ عجوزينِ وديكاً مقاتلاً، غير مجرّب. أو في السيرة الأولى التي كتب، قبل كتابةِ لسيرته (الجنرال في متاهه) عن سيمون بوليفار: كانَ البطل، هناك، متنحيًا وقصيًا، وغير ذا شأن في مسارِ الأحداث؛ إلا إنهُ كان يترصّد، ويحاسب، ويصدرُ الأحكام. قد يبدو أن مجالَ القصّة واحد، وهو يتبع في كليّته، رؤيةً موهومة للحدث اختيرت بعناية، لتفكَّ إشكالياتِ الزمن، والحب، والموت، والظلم، التي تعتمدُ عليها الكثيرُ من القصص، كفاترينات، لتسويق السؤال للقارئ. إلا إن كلَّ هذا يبدو اليوم من المأثور، أو ما أصبحنا نطلق عليهِ الكلاسيكيّةَ في القص، من دونِ أن يفقدَ البطلُ الواقفُ وراءَ الكواليس، شيئًا من فتنته، وقدرتهِ على إحداثِ الفرق، ولو على صعيدِ بعثِ الأمل، أو في إيجادِ الأخطاء التي ترافقُ مسيرةَ المجتمع، أو الشخوص. وعلى أي حال، لن توجدَ في العالم قصّةٌ مكتملة، حتّى وأن رأينا العكس. ففي كل قصّة هنالكَ عالمان: العالمُ الافتراضيُّ الذي تجولُ فيهِ الشخصيات، وتتكالبُ الأحداث، والعالمُ الذي يراهُ القارئ، ويشعرُ به، ويتنفسه، ويحاولُ ربطهُ بطريقةٍ لا إراديّة بالعالمِ الأول. ولأنَّ القصّة مخلوق حيّ، ولكونِ النضجَ الذي يتبعُ كل تجربة يغيّر في الفكرة، وفي طرق رؤيةِ الأفرادِ لبعضهم البعض، ستعيشُ القصّة إلى الأبد، كمخلوقِ ميري شيلي، منفردة، وتطرحُ الأسئلة، ولكنّها لن تخبو، وتختفي، ولن تكتمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى