التشكيلي العراقي جعفر طاعون… صفاء التوجه لعالم شيّده بنفسه

جمال العتابي…
ما يزال التشكيلي جعفر طاعون يمارس تواصلاته الوجدانية مع أعماله الفنية، كما لو كان يمارس طقساً مقدساً من طقوس الحياة، أوليسَ هذا قدر الفنانين؟ ماداموا يسهمون في بناء الوجدان للوصول إلى نقطة الاتقاد في ما نراه، وهو يجري في توازٍ تام مع طبيعة حياتنا التي تحتدم بالصراع، روحاً ونفساً وهوىً، ينتهي بها إلى أن تؤلف معه مثل هذا التجاسد الصافي والتواصل الروحي الحميم .
يظل الرسم فنا بصريا في المقام الأول، والفنان الذي يرفض أن يشاهد، لا يقدم لنا في النهاية إلا فناً فقيراً، وجعفر طاعون لا يستبعد من مجال موضوعاته، العوالم المتخيلة كعوالم الأحلام والخيالات والأساطير، ما يكـــــون بالنســــبة للفنان مرئياً كالعالم الموضوعي تماماً، ومثل هذه الأحلام والرؤى إنما تفرض وجودها أحيانا بشكل لا فكاك منه، على أن الشرط اللازم حتى تصلح الرؤيا أو الحلم موضوعياً جاداً للفن، هو أن يراها الفنان رؤية حقيقية، وأن يبصرها جيداً، ويلاحظها بكل دقة، وبكل ما للتجربة الواقعية من رد فعل عاطفي .
مازال جعفر طاعون منذ تخرجه من معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1988، وهو يواصل نشاطه التشكيلي في ضجة الأساليب الشابة الجديدة، في امتلاك ناصية الفن الكرافيكي، إسلوباً وفكراً وتقنيات، وهي مرحلة ظلت ملازمة لأعماله، منحته صفاء التوجه الكامل لمشروعه الفني وأسلوبه الخاص في المشهد التشكيلي .
ما يؤكد ما ذهبنا إليه هو أن جعفر فنان مثابر ومجتهد، يؤكد هذا القول مشاركته الواسعة في معارض الرسم، فضلاً عن معارضه الخاصة، التي أقامها داخل الوطن وخارجه، وقد أتاحت إقامته في بلد مثل السويد فرصة الاطلاع والتأثر بالتجارب الفنية الجديدة، واستلهام معطياتها، فوجدنا في أغلب أعماله خلاصة المواقف والتجارب والمحاولات إزاء الزمن والزمن المضاد، الحياة والموت، الحب والجمال، حضور الإنسان واختفاءه، وتبعاً لتواصلاته تبدلت رؤيته للأشياء التي أحاطت به، وموقفه من العالم المحيط، وهي المعاني التي ما زالت تؤلف مصادر إيحاءاته الفنية، بل مصادر طاقاته الإبداعية، وهكذا بات ينظر للكون كبيضة (عنوان إحدى معارضه) بمشاركة أكثر من مئة طفل، إنه يتأمل حياة الإنسان في جزء صغير منه، بشكل مغاير، أن يضع خطاً فاصلاً بين النهاية القصوى لعصر ذاهب، وآخر يشكل البداية لعصر جديد، ثم يبدأ رحلة البحث عن موقع في العالم يستطيع أن يؤكد إلفته، بما استنبط من كشوفات، يمكن أن تقوده إلى إدراك الوجود في مجمله، بدلاً من الاستسلام للمألوف والتجزؤ.
يعود جعفر في أعماله الفنية إلى العالم الداخلي للإنسان، وقد أخذته تجاربه في هذه الموضوعات إلى أعماق الطبيعة الإنسانية الداخلية، منظوراً إليها من زاوية التأمل الذاتي الخالص، وهو ما يعود إلى طبيعة النفس البشرية ذاتها، وما يغلف أعماقها من غموض، وتوصل بفعل الألوان المتضادة، والمعتمة في أغلب الأحيان، والتركيز الضوئي في بقعة صغيرة من مساحة اللوحة، إلى لغة تعبيرية ليست مطلقة



