«بين الفصول»… روايةٌ بأنساقٍ تؤنّث الفلسفة

المراقب العراقي/ متابعة…
فصلُ الصيفِ هو الزمن الذي بدأت فيه رواية بين الفصول للقاصة والروائية فرجينيا وولف، وتعدّ هذه روايتها الأخيرة كتبتها قبل أن تُغادرَ عالم الإنسان، والصادرة عن دار المدى في بغداد. تناوبت الفصول الأربعة مع تقلّب النّسق الثقافي، مردّ هذه التقلّبات النّسقية يعود إلى طبيعة المنهج الذي ابتدعته وولف هو (تيار الوعي).
قد يتبادر في ذهن القارئ تساؤلاً ماذا نعني بهذا التيار؟ يمكن أن نوجزه بإنَّه: مجموعةٌ من القصصِ يركزُ الروائي فيها على مستويات ما قبل الكلام عند الشخصية، ويهدفُ إلى كشف الكيان النفسي في الشخصيات، والقارئ لروايات وولف يلحظ أن لكلِّ شخصيةٍ حوارين الأول داخلي والآخر خارجي، ويطلق على الأول (المونولوج الداخلي) وهذا الأخير ارتبط بالسينما والمسرح؛ لذلك يمكن القول: إنَّ هذه الرواية جاءت حبكتها الأساسية في المسرحية التي كتبتها إحدى شخصيات الرواية من النساء، وقد وردت في المسرحية عدة أنساق ثقافية في طليعتها شخصية الفتاة الشابة في المسرحية التي مثّلتْ دور (رمز العقل) وهذا أهمُّ نسق وظّفته الروائية؛ لتلغي الجنسانية بين الرجل والمرأة في الفكر وفي النّص الكتابي، ومن ثمَّ أمام الجمهور، وبإلغاء هذا التميز الجنساني الذي فرضته الكنيسة، أو الدين الذي أعطى فرصة أكبر؛ ليكون أصحاب الفكر والفلسفة هم الرجال، وجاء هذا النسق ـ ممثلة رمز العقل ـ بمثابة الهجوم على (سلطتي الكنيسة والثقافة المجتمعية) التي عزلت المرأة عن الريادة الفكرية.
الرواية كانت محاولة لتأسيس ثقافة وفكر وفلسفة بعقل أنثوي وقد ساعد في ذلك منهج تيار الوعي عند وولف، وعلى الرغم من كونها آخر رواياتها لكنّها فتحت آفاق تأملية لغيرها من الكاتبات الواعيات.
الأمر الآخر إن الكاتبة وولف عندما وظّفت الفتاة الشابة لهذا الدور، مع سمات الجمال التي فيها رأت أن استقطاب الجمهور لا يتمّ إلا بهذه الفكرة، وعبر المزاوجة الجمالية الفكرية، بمعنى المظهر الخارجي والفكر الداخلي، فكانت ممثلة رمز العقل، واعية وذات فلسفة عميقة عندما مثّلتْ المشهد الأخير الذي قالت فيه: «إنَّ جعبة إله الحب ممتلئة بالخدع؛ يغرز سهمه في القَدَم، لكنَّ دربَ الإرادة واضحٌ على الدوام حيث توجد الإرادة يوجد درب».
الإرادة التي أكدت عليها هي بالمفهوم الفلسفي، وهذا الأخير شكّل جدلاً واسعاً عند الفلاسفة اليونان إلى عصرنا هذا؛ كونه ارتبط بالحرية وصار يطلق عليه الإرادة الحرة، وهذا ما جعله يرتبط بنظرية أخرى هي (الحق الإلهي) وثيمتها الأساسية: (إن الله أودع جميع السلطات بيد البابا هو معه سيف السلطة الدينية) فجاء نسق تأنيث العقل بشخصية رمز فتاة العقل، لتؤسس نظرية الإرادة الفلسفية، وتنطلق من الفكر الذي تبتكره الأنثى، لكنّ قبل الابتكار تحاول تفنيد النظريات السابقة والخروج منها، أو الثورة عليها .



