“مذكرات بقلم حمرة”العزلة لمراوغة الذات المتشظية

رحيم يوسف…
لعل عزلة الشاعرة افياء امين الاسدي في نصها (مذكرات بقلم حمرة/ذاكرة)تمثل لها نوع من الخصام مع الخارج شعوريا وقد تصل الى حد القطيعة وهي في هذه الحالة عزلة اختيارية قد لا تتيح لها سوى تلمس ضوء شحيح يبدد بعض الظلمة ،تلك الظلمة التي تجعل الشاعرة/المنعزلة تحتفي بها دون ان تصرح بذلك هي التي تعيش بتماس مع الموت كما تصرح،محاولة خلق حياة موازية فرضيا للخارج الضاج بالحياة،من هنا تفترض الشاعرة ضجيج اخر من خلال محاولة بث الروح في الاشياء الحية/ الميتة التي اختارت عزلتها معها بما يشي بانها اختارت عزلتها/جحيمها
(هنا تسكن قطعة زبد في حضن الجحيم)
وهنا تستبدل مقولة ساتر الشهيرة (الاخرون هم الجحيم) بتعمد واضح الئ جحيم انوي فردي لكنه جحيم اخر فهو جحيم انثوي بالغ الطراوة،
وضعت الشاعرة الكثير من المطبات في النص قصديا وهي تحاول التشبث بالحياة لاختراق تلك العزلة الطوعية لانها كتبت نصها (بقلم حمرة) وهو اي قلم الحمرة افرغ من وجوده المعنوي كمادة تزيينية الى قلم للكتابة فأصبح جزء من الذاكرة وتلك محاولة لبث الحياة فيه مجددا،لقد اختارت الشاعرة مايماثل وحدتها من خلال اختيار ما هو داخل الغرفة بوعي (لدي مزهريتان و وردة)
مزهرتيان في صالة استقبال لا يدخلها احد فلماذا اذن مزهريتين سوى انه تاكيد للعزل والتردد كما تشي دلالات الرقم الروحية وصراع الداخل/الخارج الذي يحتدم في ذات منفعلة ونزوع نحو الانفلات صوب الخارج الضاج ومع ان معظم الموجودات في المكان ميتة الا ان الشاعرة تستل منها بعض الحياة للاستمرار
فالغرامفون لم يكن عاطلا تماما والهاتف يخرج منه الضوء حتى المراة التي تظهر منها امراة عجوز لم ترها من قبل،تمثل تلميحات مقصودة للعودة صوب الحياة فهي ترفض شيخوخة الروح المتخيلة لصورتها التي تعكسها المرآة،ثمة تشظي داخلي روحيا تعكسه الكثير من الصور المبذولة في النص وهي تعكس تجربة قاسية مرت بها الشاعرة لخلق جحيمها الخاص (الحشرات التي تتسلل من النوافذ)والسطح الذي تحول الى وسيلة لتعليق الاحلام لكنها تعود عرجاء.
ان محاولة ممارسة القطيعة مع الاخر المجهول تصطدم دوما بعقبة انعدام تحقيقها الاشياء الموجودة كونها خيوط رابطة مع الاخر فالستارة مصنوعة من الجيران،وهي تستمع لاصواتهم وهم يمارسون حياتهم اليومية فلماذا الاحتفاظ بالستارة اصلا سوئ لممارسة التمويه والمراوغة علئ ذاتها للاستمرار بحياتها التي كادت تختنق هذا التمويه الذي يتكرر في مواضع عديدة من النص الذي يشتمل علئ اربعة مقاطع فصلتها الشاعرة عن بعضها البعض لكنها بقيت مترابطة تشي بما تقدم ورايي ان ذلك اضاف للنص الكثير،
تعمد الشاعرة الى توزيع متعمد للاشياء في ثنايا المكان/النص لغرض بث القوة في روحها المتشظية دون جدوى،فالسطح الذي يمثل الانعتاق من كل ما سبق ليس سوى مهشم للذكريات التي تعود عرجاء والسكاكين الكثيرة التي توحي لها بالقوة لم تستطع ان تمدها بها فتهرب باتجاه النيل من اناها إزاء القادم المجهول التائه فهي ليست سوئ قطعة من الزبدة في هذا الجحيم المفترض،وهي وكما يرد في سيرتها ممثلة لذلك تمكنت من الاحتيال علئ ذاتها لحظة الكتابة عبر الشطر الثاني التوكيدي لعنوان النص (ذاكرة) لتؤكد انتصارها للحياة على الرغم مما توحي به ثنايا النص المكتوب بوعي وفطنة وبراعة.



