اراء

كورونا الجائعة

د. محمد فلحي

في قصیدته الحزينة (أنشودة المطر) يقول المرحوم الشاعر بدر شاكر السیاب قبل أكثر من نصف قرن:”وكل عام حین يعشب الثرى..ما مر عام والعراق لیس فیه جوع..مطر..مطر..مطر” تلك الكلمات تلخص مأساة بلد كثیر الخیرات والثروات،لكنه ظل يعاني، طوال تاريخه، من الحروب والصراعات والفساد التي أدت إلى تزايد الفقراء والجائعین!

الوباء الكوروني الذي يجتاح العالم الیوم يصفونه ب(الجائحة)، ولعل من الحق تسمیته ب(الجائعة) أيضاً،فقد رافقت الوباء أزمة اقتصادية قاسیة، زادت من ظاھرة الجوع، في العالم كله، ولیس من المصادفة أن تمنح جائزة نوبل للسلام خلال العام الحالي إلى برنامج الأغذية العالمي، باعتباره منظمة دولیة تعنى بمكافحة الفقر والجوع لدى الملايین من البشر، في ظل غیاب الرحمة وعدم العدالة في توزيع الثروات، وتزايد المسافة بین الأثرياء المتخمین والفقراء الجائعین، في كل انحاء العالم الذي يعاني من غیاب الأمن والسلام!

توفیر الغذاء لملايین الأفواه الجائعة والحشود المتزايدة يعد من ضروريات الحیاة واستمرارھا على كوكب الأرض، وتؤكد أغلب النظريات الاقتصادية على أن مشكلة الجوع لیست ناجمة عن قلة الموارد والثروات الطبیعیة، ولكنھا ظاھرة مفتعلة تعود إلى سوء التوزيع وفشل الإدارة والفساد والصراعات والحروب،وكلھا سلوكیات بشرية خاطئة يفترض أن تتعاون البشرية على معالجتھا،فنحن نعیش في عالم واحد متقارب،ولا يمكن للأغنیاء تجاھل صرخات المحرومین ومعاناتھم!

الأمم المتحدة أشارت في بیان في ھذا الصدد إلى جوھر مشكلة الجوع بالقول: أينما وجد الصراع، وجد الجوع.

وأينما وجد الجوع، غالباً ما يكون ھناك صراع. الیوم ھو تذكیر بأن الأمن الغذائي والسلام والاستقرار أمران متلازمان من دون سلام، لا يمكننا تحقیق ھدفنا العالمي المتمثل في القضاء على الجوع؛ ومع وجود ً بعالم يسوده السلام”.

الجوع، لن ننعم أبدا الجوع والصراع متلازمان،وفق ذلك التفسیر الأممي،أحدھما يؤدي إلى الآخر، في دورة شريرة مستمرة،كما يبدو، حتى تضع الأمم أوزارھا وتعلن السلام الشامل،وينتصر الإيمان على الكفر،ويتغلب العلم على الجھل، وذلك حلم غیر مستحیل، لو  توفرت لدى قادة العالم الحكمة والنوايا الحسنة ومكارم الأخلاق والرحمة والتسامح، وطبّقت تلك المعاني السامیة التي بشر بھا الإسلام الحنیف الإنسانیة قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام!.

تفاقم ظاھرة الجوع في ظل الظروف الاقتصادية والوبائیة الحالیة، لا بد أن يزيد من أعباء الأسر الفقیرة،ويضاعف معاناة النساء،وبخاصة اللواتي فقدن المعیل،وحرمن من العمل،وسط مجتمع قاس لا يضمن حقوقھن وينتھك كرامتھن،في كل رائعة لحسن التدبیرلحظة،لكن تجربة المرأة العراقیة الصابرة،خلال عقود من الحروب والحصار والحرمان والظلم، سطرت صورا والصبر الجمیل.

لا شك أن (جائعة كورونا) لا تقل ضراوة عن ظروف الحروب المدمرة والحصارات الظالمة،وينبغي ان تستذكر المرأة التي تدير میزانیة المعیشة لأسرتھا،وتحرص على توفیر الغذاء لأفرادھا،من الرزق الحلال، أن التعاون والتكافل والزكاة والصدقات،تخفف من معاناة الناس في الأيام الصعبة،ومن يزرع الخیر يحصد الحسنات والبركات، بمشیئة الله سبحانه وتعالى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى