ثقافية

محمد مهدي الجواهري.. متنبي القرن العشرين المتمرد على جميع الحكام والسلاطين

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…

يعد الشاعر محمد مهدي الجواهري من الشعراء العراقيين الذين كان لهم دور كبير في اثراء القصيدة العربية حتى يمكن القول انه متنبي القرن العشرين الذي لا يجارى.

عاش متمردا على جميع حكام العراق منذ العهد الملكي وبعدها الجمهوري، وهجاهم في شعره، الأمر الذي كان سببا في سحب جنسيته العراقية لأكثر من مرة، وانتهى به المطاف للاستقرار في العاصمة السورية دمشق حتى وفاته في 27 تموز 1997.

ولد محمد بن عبد الحسين مهدي الجواهري في 26  تموز 1899، من أسرة معروفة بين الأوساط النجفية الدينية والأدبية تعرف بآل الجواهر، وكان لهذه الأسرة في النجف مجلس عامر بالأدب والأدباء يرتاده كبار الشخصيات الأدبية والعلمية.

كان أبوه عبد الحسين عالما دينيا من علماء حوزة النجف الاشرف، وقد تنبأ لابنه الذي بدت عليه ميزات الذكاء والمقدرة على الحفظ أن يكون عالما، لذلك ألبسه عباءة العلماء وعمامتهم وهو في سن العاشرة. أرسله والده إلى مدرسين كبار ليعلموه الكتابة والقراءة والنحو والصرف والبلاغة والفقه.

يعود لقب الجواهري، نسبة إلى أحد أجداد الأسرة، والذي يدعى الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، والذي ألف كتابا في الفقه اسمه “جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام”. ومن هنا لقب بالجواهري.

“خلقت للشعر”، هذه العبارة طالما رددها الجواهري، حينما يُسأل عن طفولته وبداياته الشعرية في مدينة النجف  والأسباب التي ساهمت بتكوين صيرورته الشعرية، حتى أصبح أحد رموز الشعر بالعصر الحديث، بل لقّب بشاعر العرب الأكبر.

ويقول الجواهري عن نفسه: “كنت وأنا في العاشرة من عمري لا أخرج للعب مع الصبيان في النجف إلا بعدما أؤدي ما يجب أن أؤديه، من حفظ قطعة من شعر المتنبي، وقطعة من كتاب (الأمالي) لأبي علي القالي، وقطعة لا بد منها من نهج البلاغة”.

عمل الجواهري لفترة قصيرة في البلاط (الديوان) الملكي بعد تتويج الملك فيصل الأول ملكا على العراق، وقدم استقالته منها، ويعلل ذلك بسبب قصيدته “جربيني” لما فيها من تحد للمجتمع والعادات آنذاك.

وفي مقابلة تلفزيونية عام 1994، قال الجواهري: إن “واحدة من إساءات تصرفي في الحياة وكبريات غلطاتي وهفواتي، هو إصراري أن أكون صحفيا، وأن أخرج من هذا العالم المتفتح أمامي”، في إشارة إلى تركه للعمل في البلاط الملكي.

وأضاف: “عندما عينت عند الملك فيصل الأول، قال لي بالحرف: يا ابني محمد هذا جسر لتعبر عليه”. وتابع: “تطور السنين والأيام وتقلبات الحياة والتجارب العديدة التي مرت في حياتي، كلها جعلتني أكثر فهما ووعيا وإدراكا بمعنى الموقف وما مدى صحته ومشروعيته”.

شكلت بداية دخوله إلى البلاط الملكي، أولى محطاته الوظيفية والسياسية، إذ كان الملك فيصل الأول يعاني الكثير من المشاكل بسبب ما يكتبه الجواهري من القصائد، حيث ضرب الآخر مقاييس عمله بمركز حساس عرض الحائط.

ولم يتوقف الجواهري عن كتابة القصائد، إلا أنه كان يكتب الشعر في الغزل، الأمر الذي تسبب بحرج كبير للملك، وبعدها غادر البلاط الملكي عام 1930، ليصدر جريدته (الفرات) ثم ألغت الحكومة امتيازها وحاول أن يعيد إصدارها لكن بدون جدوى.

كتب الشعر في سن مبكرة‏ وأظهر ميلا منذ الطفولة إلى الأدب فأخذ يقرأ في كتاب البيان والتبيين ومقدمة ابن خلدون ودواوين الشعر،‏ وكانت مجموعته الشعرية الأولى قد أعدت منذ عام (1924) لتُنشر تحت عنوان “خواطر الشعر في الحب والوطن والمديح”.

وبخصوص استخدامه الكثير لكلمة الدم، قال الجواهري في مقابلة له عام 1994: “أنا لا أحب الدم، لكن بدأ يتكرر عندي كثيرا ربما بالفعل يكون لمقتل أخي جعفر سبب في ذلك، فعندما تنظر إلى قصائد قبل وبعد المقتل تجد الفرق، دم الشهيد ليس بالشيء الهين”.

وأوضح: “في الحقيقة هناك دم رخيص للأسف، وفي العراق جرى الكثير من هذا الدم، فهذا الدم سال دون استهداف بشكل صواب، أما الدم الغالي فهو شيء آخر، فهو دم المصمم الثائر المثمر أيضا. الدم عظة ودرس لكنه لم يثمر كثيرا في العراق”.

وعن وصفه بـ”شاعر العرب الأكبر”، يقول الشاعر والمؤرخ فالح الحجية الكيلاني في تصريح لـ(المراقب العراقي): إنه “لقب استحقه بجدارة تامة في وقت مبكر في حياته الشعرية، وارتضاه له العرب أينما كان وأينما كان شعره، رغم أن الساحة العربية كانت مليئة بالشعراء الكبار في عصره”.

واضاف :قلت في كتابي “الموجز في الشعر العربي”: إن “الجواهري لهو متنبي العصر الحديث لتشابه أسلوبه بأسلوبه وقوة قصيده ومتانة شعره، وقيل لم يأت بعد المتنبي شاعر كالجواهري، لهذا طبع شعر الجواهري في ذهن الناشئة من كل جيل مفاهيم وقيما شعرية إنسانية لا تزول”.

ومن جميل ما أنشده الجواهري قصيدة كتبها على الصفحة الأولى من كتابه (ذكرياتي) وأهداها لقائد الثورة الإسلامية في إيران سماحة الإمام السيد علي الخامنئي يمدحهُ فيها وذلك أثناء لقاءه به في مكتبه بطهران في آيار 1995.  سَيّدي أيّها الأعز الأجَل … أنتَ ذو مِنّة وَأنتَ المدِل

 يَعجَزُ الحرف أن يُوفّي  عظيماً كُل ما قيل في سِواه يَقِل

أيّها الشامِخ الذي شاءَهُ  اللهُ زَعيماً لِثَورَةِ تَستَهِل

 لَكَ في ذِمّة الإله يَمينٌ  يَدٌ مَن مَسّها بِسوءِ تَشِل

 لَكَ في السّلم مِنبَرٌ لا يُجارى  لَكَ في الحرب مِضرَب لا يَفِل

لَكَ أهلٌ فَوقَ الذّرى وَمَحَل     لَكَ بَعدَ المكرُمات وَقَبل

 فإغتَفِر لي ما جاءَ في ذِكرياتي يا عَطوفاً عَلى خُطى مَن يَزِل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى