هروب الوصي عبد الإله والمحاولات البريطانية لإعادته

بسبب بيان حكومة الإنقاذ الوطني هذا الذي رفعت نسخة منه إلى البرلمان طلبت الحكومة إقالة الوصي عبد الإله جراء مواقفه هذه وهربه إلى الخارج ، وتمت إقالة عبد الاله وتنصيب أحد اقارب الملك وهو الشريف شرف بدلاً عنه والذي تمت الموافقة عليه بالإجماع على الرغم من كون الاكثرية النيابية كانت من انصار الوصي عبد الاله ونوري السعيد وذلك لرصانته واحترامه من الجميع.
وقع الشريف شرف مرسوما باقالة طه الهاشمي والسماح لرشيد عالي الكيلاني بتشكيل الوزارة الجديدة التي غلبت عليها الشخصيات الوطنية المناهضة للهيمنة البريطانية ، ورغم ذلك حاول الكيلاني طمأنة بريطانيا بأنه لا يوجد اي اختلاف جوهري في سياسة العراق الخارجية ، وان العراق ملتزم بتعهداته مع بريطانيا بضمنها المعاهدة بالشكل الذي لايمس سيادة العراق واستقلاله.
بريطانيا من ناحيتها وبناءا عل التقارير الدورية التي كانت ترفعها السفارة كانت تنظر بعين الشك والريبة لوجود عناصر وطنية وثورية وقومية في الوزارة بزعامة الكيلاني باشا. فامتنعت بريطانيا من الاعتراف بالوزارة الجديدة ، وبدلا عن ذلك صعدت الموقف بادخال قوات عسكرية اضافية إلى العراق دون اذن مسبق ، مما دعا الحكومة لعقد اجتماع طارىء لمناقشة التطورات الجديدة جراء هذا الاعتداء العسكري على سيادة العراق ، حيث طالب اعضاء الحكومة بزعامة المربع الذهبي اتخاذ اجراءات عملية للحد من تدفق القوات البريطانية على العراق .
وكان هدف بريطانيا هو التدخل العسكري لاعادة الوصي ونوري السعيد، فقامت بعملية انزال لقواتها في البصرة مما دعا الحكومة لشجب هذا التصرف وامهال بريطانيا مدة من الزمن لسحب قواتها ، ثم تلا ذلك انزال اخر في الحبانية ، حيث واجهته القوات العراقية بمحاصرتها ضمن حدود القاعدة الجوية. تلا ذلك تصعيد اخر من الحكومة بانذار القوات البريطانية من مغبة تحليق طائراتها التي ستواجه باسقاطها فورا. وبهذا كانت قد اعلنت الحرب على بريطانيا من قادة ثورة مايس / ايار 1941 . حيث اخذت دار الاذاعة العراقية من بغداد تبث البيانات العسكرية والتي تخللتها الاناشيد الوطنية التي ادعت للمناسبة والاخرى التي سبق ان اوعز الملك غازي بنظمها عند انشائه لمنظمة الفتوة والشباب ، والاذاعة الخاصة به ، ومنها اناشيد “موطني ولاحت رؤوس الحراب تلمع بين الروابي ونحن الشباب لنا الغدو ، و يا تراب الوطن ومقام الجدود ها نحن جينا لما دعينا للخلود”. اضافة إلى ما قدمه الشعراء والفنانون السياسيون مثل ملا عبود الكرخي والرصافي وعزيز على واخرين من قصائد حماسية واعمال فنية لاثارة مشاعر الشعب للوقوف بوجه العدوان البريطاني
نشط الكيلاني من ألمانيا للدعوة لإحداث ثورات في العالم العربي أسوة بالثورة التي قادها في العراق والتي تعدّ أول ثورة وطنية تحررية ضد المحتل وحلفائه، حيث أصدر البيانات ذات الطابع القومي التحرري منادياً أحرار العرب من سياسيين وعسكريين إلى مقاومة المحتل كما نادى في أكثر من بيان الجيوش العربية للانتفاض ضد الحكام الذين يأتمرون بأمر المحتل، حيث خص الكيلاني الجيش المصري للانتفاض على نظام حكم الملك فاروق، كما خص أيضاً الجيش السوري، وكذلك الجيش اليمني للانتفاض، كما دعى إلى إعادة وحدة العرب وعدم الاستسلام لمخططات المحتل كاتفاقية (سايكس- بيكو).
لاقت دعوة الكيلاني صدىً كبيراً لدى الكثير من الأوساط الفكرية والسياسية والعسكرية والتي تأثرت بشعارات الثورة التي كانت تبثها بشكل ثوري وحماسي الأذاعة العربية من برلين. فتأثر بهذه الحركة مؤسسو الأحزاب القومية كصلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني ، كما ألهمت هذه الثورة قادة ثورة 23 يوليو / تموز في مصر للإطاحة بالحكم الملكي خصوصا بعد فضيحة الأسلحة الفاسدة التي تسببت بالخسارة في حرب فلسطين عام 1948م. كما تأثر العراقيون بالحركة التي أدت إلى تأسيس خلايا تنظيم الضباط الوطنيين عام 1949م بزعامة العقيد رفعت الحاج سري الدين.
وأدى فشل ثورة مايو / مايس 1941م، بزعامة رشيد عالي الكيلاني، وما لقيه الضباط من التنكيل والإعدام، إلى أرتفاع درجة السخط بين صفوف الشعب الذي أنعكس على أبنائه في القوات المسلحة.
كما واجه الجيش العراقي حملات تقويض حيث تنبه الإنجليز إلى حالة السخط والغليان بين صفوف الشعب والجيش بشكل خاص بعد الضربة الموجعة بفشل ثورة رشيد عالي باشا عام 1941م، وتنبهوا إلى ذلك فاشعروا السراي الحكومي بضرورة تقليص عدد وحدات الجيش العراقي، وتسريح أعداد كبيرة من ضباطه ومراتبه ونقل الضباط الآخرين إلى وحدات نائية، وأشغال أفراده بالتدريبات، طوال فصول العام. وبدأت خلايا سرية من الضباط في العمل بين صفوف الجيش، ومحاولة التكتل لإنشاء تنظيم سري للضباط.
وبقي العراق لعبة بيد مراكز القوى السياسية كنوري السعيد والوصي عبد الاله، أما الاحزاب والقوى فقد أنحسر دورها، وطفت على السطح الاحزاب الشكلية الخاوية من ايديولوجيات أو برامج العمل. كما أتهم الحكم الملكي بأضطهاد الأحرار والوطنيين، وربط العراق باحلاف سياسية ومعاهدات جديدة جائرة مع بريطانيا مست سيادته وهدرت ثرواته الوطنية، دون النظر إلى المصلحة العراقية الوطنية. كما كانت تتهم حكومات وزعامات الحكم الملكي بفساد النخبة السياسية من غير الملك وعائلته ، وانتشار المحسوبية والفساد الاداري والمالي . وكذلك يؤخذ على الحكم الملكي عدم حل المشكلات الداخلية كالتلكؤ بمنح الاقليات الحقوق الثقافية ، على الرغم من المساهمة السياسية الواسعة للاقليات العرقية والطائفية في الحكم.




