اراء

د. سلمان كاصد…قراءات التحول المعرفي

شوقي كريم حسن

قد تنحرف الرغباتْ، دون تخطيط او دراية، ثمة ما يشير الى طريق غير ذاك الذي، ظل يرافق الصبا والشباب، مانحاً الليالي عذوبة اسراع، وهيامات ووجد روحي، وبخاصة في بيت كانت الاحلام تصنع امجاد الصبية فيه، القراءات تتعدد، والحوارات التي تتصارع بين ادلجة تهيم في قيعان امال الفقراء، واخرى تود الخلاص دون نزف دم وارتحالات سجون.

 تقفز الافكار بين يدي الولد الذي وجد نفسه بين ارثين عظيمين، سومري بكل تراتيله وليونة حناجره، وبصري يملأ هدير البحر وروح شط العرب، ونداءات السفن والبواخر القادمة من أمكنة لم يرها قط، كانت تحفز لدية تلك الروح التي ادمنت الرحيل، ينصت بشغف الى حكايات الايام وسرديات الملكات بشعورهن الصفر ، وابتساماتهن التي تغسل معاني فؤادة، تلك الحيرة الارتباكية، والترقبات النفسية التي تتغير كل لحظة مجيء، جعلت الولد يود، لو صار حكاءا، لو انه اجلس فتيان مدينته، وروى لهم رحلات سلمان الكاصد العجيبة.

لم يقرأ بعد رحلات جلفر، ولا تحولات اليس واقوامها السبع، وما خطت اقدامه لتدخل غرفة اكاذيب بكاتشيو، لانه ليس بحاجة لكل هذا الارث، ثمة عنده حكائين يلونون الليالي بما يوفر الدهشة والقلق معا، يعرف السندباد ورحلاته، وينغمر في شطآن او الامين الخليع والجارية شموش، ويضيع هياماً مع جواري شهرزاد والاعيبهن الفاتنه، استنتج السارد، ان لاحياة دون قصص تثير الخيال، وكان يجادل نفسه، يمكن للانسان التخلي عن الشعر وغوايته، ولكن كيف يمكنه الخلاص من حكمة السرد وعنفوانه والادهاشات التي تشعل طرق الروح، وتدلها على معاني الامل والحب والرخاء والدعة، السرد يمنح المتلقي والسارد معاً الرغبة في الحياة وديموتها.

كتب سلمان كاصد، تجاربه السردية الاولى ، غير أبه بأن يخرج من معطف الحكيم، الدقيق التشخيص محمد خضير او يظل برفقتها، عند هذه اللحظة التاريخية الحاسمة، كانت صافرات الانذار تغطي سماء البصرة بالدخان والشظاياْ، وتعيد ايقاعات بساطيل الاولاد الراحلين الى الفناء، دون كاصد ، محنة مدينته ، مثلما دون محنة روحه، واضطراب الرؤى التي فقدت ملامحها، لم تعد هدواءات المدينة تشير الى الاسترخاء، وصارت الايام اكثر تثاقلاً وريبة، مافائدة تدوين كل هذا الاسى، تشظت العائلة، وغابت الحوارات العميقة، وخيم مايشبه الظلام على ذلك البيت الذي كان طافحاً بالبشر والتدوينات.

 ينتمي كاصد الى السينما بكليته، لانه وجدها الاكثر تعبيراً عن مدخولاته النفسية، يقرأ المشهد السيمي بدقة المحترف، ويتابع خطوات المجسدين بحسد واضح الملامح، لخيارات عند سلمان كاصد تتغير بسرعة ، لكنها غير مربكة ولا مرتبكة، الشاب الذي شعر بالتعب فجأة قرر اكمال دراسته، قرر ان يكون ناقداً يومن بالمتغير والتحديث، وان كان يؤمن ان من الحال وجود مدرسة نقدية عراقية، يقرأ الشكلانيين الروس، ويدس رأسه عند رولان بارت، ويؤدلج مقولات باختين، ويفلسف معاني جاك ادريدا؟

صارت همومه النقدية، التنظيرية اقرب من السرد اليه، وان كان يحن الى هيامات الروح ومثيرات دهشتها، اخذ كاصد ، مواجع الحصار ورحل باتجاه امكنة قريبة من الشطآن، ليتحول الى استاذ نقد، يعرف ويشخص،  ولايحب الوقوف عند القوالب المستقره، يحاول من خلال دراساته التنظيرية ايجاد سبل بينه وبين المتلقي، وهو المكمل لحلقة نقد عراقية مغايرة تضم عبد الله ابراهيم، وسعيد الغانمي، وسلمان كاصد، هو الاقرب الى هذه الاشتغالات الحفرية التي تغوص في مكونات المعارف ، لتمنح متلقيها قداراً من المعارف والعلوم، وان كانت اكاديمية وقليلة الحضور داخل اروقة العقل الجمعي، وثمة اشارة اخرى ان هاتيك التجارب المهمة، صارت تبتعد عن المنجز الجمالي العراقي، ولا تجد فيه ضالتها، وتجنح صوب النقودات التحاورية التي ا جعلت من النقد طبقه فوقية، تخص البعض ولا تنظر الى الجمع الباحث عن تشخيصات تدله على ماهيات الابداع ومكوناته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى