هل تحول حرب أمريكا الموانئ الأفريقية إلى بدائل استراتيجية؟

بقلم: محمد حسب الرسول..
تفرض الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران واقعاً بحرياً جديداً، حيث تعيد تداعياتها رسم خرائط التجارة البحرية العالمية تدريجياً، فيما يُعرف بالجغرافيا السياسية للمياه.
ففي ظلّ تزايد المخاطر المرتبطة بالمرور عبر مضيق هرمز، أحد أهمّ شرايين الطاقة في العالم، وتحوّل منطقة الخليج إلى منطقة مواجهة مباشرة، بدأت شركات الشحن الدولية تبحث عن بدائل أكثر أماناً، لتبرز الموانئ الأفريقية كخيار استراتيجي متنامٍ، مُحيِيةً مسار رأس الرجاء الصالح كشريان بديل.
موريشيوس مركز الإمداد البديل في المحيط الهندي
بسبب العدوان الصهيو-أمريكي على إيران وتأثيراته المباشرة على حركة الملاحة في الخليج، بدأت السفن التجارية وناقلات الوقود في إعادة توجيه مساراتها نحو أفريقيا، التي باتت تقدّم حلولاً لوجستية مرنة وخيارات آمنة للتزوّد بالوقود والخدمات البحرية. وتتصدّر موريشيوس هذا التحوّل الإقليمي، حيث برزت هذه الدولة الصغيرة كمركز حيوي يوفّر للسفن الخدمات في المحيط الهندي.
وفي دليل ملموس على هذا التحوّل، شهد ميناء بورت لويس ارتفاعاً ملحوظاً في حركة السفن، إذ قفز عدد السفن التي رست لتلقّي الخدمات بنسبة 42% خلال شهر آذار الماضي، ليصل إلى 294 سفينة مقارنة بـ207 في الشهر الذي سبقه، وبحسب بيانات رسمية، ارتفع الطلب على الوقود البحري بالتوازي مع هذا النشاط من نحو 69 ألفاً إلى 109 آلاف طن، مما يعكس تسارع اعتماد شركات الشحن على الموانئ الأفريقية كبديل عملي للممرات التقليدية.
تحذيرات وقيود محتملة
يواجه التحوّل نحو الموانئ الأفريقية تحدّياته الخاصة، إذ حذّر متحدّث رسمي باسم ميناء بورت لويس من احتمال فرض قيود خاصة على إمدادات الوقود البحري تبعاً لتطوّرات الصراع في غرب آسيا، مؤكّداً أنّ استمرار التوتر قد يؤثّر بشكل مباشر على أنشطة بعض مزوّدي الوقود البحري.
ويعكس هذا التحذير هشاشة المشهد اللوجستي العالمي ومدى تأثّره بالمواجهة العسكرية في هذه المنطقة، مما يدفع الشركات للبحث عن موانئ بديلة والتفكير في تكاملها مع الطرق والسكك الحديدية لتقليل الاعتماد الكلّي على نقاط الاختناق المائية.
الظاهرة تمتدّ إلى ناميبيا وتوغو
لا يقتصر هذا الاتجاه على شرق القارة الأفريقية فقط، إذ تشهد ناميبيا أيضاً تزايداً ملحوظاً في حركة السفن المتجهة إلى ميناء والفيش للتزوّد بالوقود والحصول على خدمات بحرية أخرى، في مؤشّر واضح على إعادة تموضع طرق التجارة العالمية بما يتماشى مع اعتبارات الأمن البحري.
وفي غرب أفريقيا تسعى توغو إلى استثمار هذه التحوّلات الاستراتيجية عبر تطوير قدرات ميناء لومي، الذي يتمتع بموقع استراتيجي على خليج غينيا ومياه عميقة تؤهّله ليصبح مركزاً بديلاً. وقد أكد وزير الاقتصاد البحري التوغولي أنّ الميناء بات قادراً على توفير مسار بديل للبضائع المتجهة إلى آسيا أو مختلف أنحاء القارة، بعيداً عن المخاطر المرتبطة بالمرور عبر مضيق هرمز، مشدّداً على ضرورة ربط هذه الموانئ بشبكات نقل برية تعزّز سلاسل الإمداد.
إغلاق باب المندب
في حال تطوّر الصراع، ستنشط اليمن كجزء مهم في جبهة المقاومة، وحينها لن يقتصر دورها على المشاركة في العمليات العسكرية فحسب، إنما ستقفل مضيق باب المندب.
وحال حدوث ذلك، لن يعود أمام سفن الشرق المتجهة إلى الغرب أيّ خيار سوى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. وسيشكّل ذلك فرصة ذهبية للموانئ الأفريقية، التي ستتحوّل إلى مراكز إعادة شحن وتوزيع إجباري، إضافة إلى دورها كمحطات تزويد للسفن بما تحتاجه من خدمات.
وبهذا تتحوّل كلفة رأس الرجاء الصالح من عائق إلى حتمية اقتصادية، فتجد أفريقيا نفسها في مركز الثقل التجاري العالمي الجديد.
أفريقيا بديل استراتيجي أم هروب مؤقت من هرمز؟
في ضوء هذه التطوّرات، تبدو أفريقيا في موقع متقدّم للاستفادة من التحوّلات الجارية، لكنّ الاستدامة تظل رهينة بمدى تطوير البنى التحتية القارية.
فالهروب من هرمز والمندب قد يكون مؤقتاً، ما لم تتحوّل الموانئ الأفريقية إلى مراكز لوجستية متكاملة مدعومة بطرق برية وسكك حديدية قوية تربط السواحل بالعمق.
لكن هل الموانئ وحدها كافية؟ أم أنّ الحاجة أعمق لتتجاوز البدائل البحرية إلى حلول قارية جذرية؟



