هل يهتم ترامب بخسائر دول الخليج؟

الكاتب: يحيى الصادق..
بدا واضحاً، ومنذ اللحظات الأولى لبدء العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، أن دول الخليج ستكون الخاسر الاقتصادي الأكبر، إما بسبب اضطراب الحركة الملاحية في مضيق هرمز وتوقفها، وإما بسبب توقف النشاط الاقتصادي في العديد من القطاعات الحيوية التي تعتمد عليها دول الخليج كالصناعات النفطية، والسياحة والسفر، وغيرها.
ومع كل يوم كان العدوان يستمر، كانت فاتورة خسائر دول الخليج تزداد قيمتها وتتفاقم أكثر، خاصة بعد استهداف إيران للعديد من القواعد والمنشآت الأميركية أو تلك التي يُشتبه باحتوائها على جنود ومعدات أميركية، هذا رغم ادِّعاء دول الخليج أكثر من مرة رفضها السماح للقوات الأميركية باستخدام أجوائها أو مياهها في العدوان على إيران.
خسائر هائلة
تذهب جميع التقديرات الأممية إلى أن خسائر المنطقة عموماً، ودول الخليج خصوصاً، جراء الحرب على إيران لن تكون عابرة، فهي ستؤثر لسنوات عدة على اقتصادات هذه الدول وسياساتها، إذ إن بعضها ستحتاج إلى عدة أشهر أو سنوات حتى تتمكن من إعادة أوضاعها الاقتصادية إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
ووفق تقرير صادر مؤخراً عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة فإن التقديرات الأولية تتحدث عن أن الخسائر المباشرة لاقتصادات دول المنطقة تتجاوز 200 مليار دولار، منها ما بين 103-168 مليار دولار خسائر دول الخليج، هذا إضافة إلى الخسائر الاجتماعية الأخرى المتمثلة مثلاً في فقدان نحو 3.6 ملايين فرصة عمل في عموم المنطقة، وما يعنيه ذلك من ارتفاع في معدلات الفقر في بعض الدول التي تعاني أصلاً هذه الظاهرة.
والمثير للانتباه هنا أن المتحدثة باسم البيت الأبيض لم تتردد عند سؤالها عن إمكانية تحميل الولايات المتحدة لحلفائها في الخليج جزءاً من نفقات الحرب، باحتمالية حصول ذلك. وإذا ما تحقق ذلك فعلاً فإن قيمة خسائر دول الخليج المباشرة سوف ترتفع، كما أن تحدياتها الاقتصادية التي تنتظرها في مرحلة ما بعد الحرب ستتعمق أكثر فأكثر.
رغم هذه الخسائر الاقتصادية المهولة والتوقعات بارتفاعها، فقد استمر ترامب في حربه على إيران، متجاهلاً في ذلك كل الدعوات من دول المنطقة والعالم، والمطالبة بوقف هذه الحرب والبحث على حل سياسي وسلمي يحمي مصالح المنطقة ويحفظ لها استقرارها.
ثلاثة دوافع
يكمُنُ الدافع الترامبي في تجاهل ثقل الخسارة الاقتصادية التي تتكبدها دول الخليج في ثلاثة عوامل رئيسة هي:
–العامل الإسرائيلي الضاغط على ترامب للاستمرار بهذه الحرب حتى يُصار إلى تحقيق الأهداف الموضوعة لها، ومنها كما يزعمون إسقاط النظام في إيران وإشاعة الفوضى في المنطقة. فـ “إسرائيل” هي بمنزلة الحليف الأول لواشنطن في ظل جميع الإدارات الأمريكية المتعاقبة. هذه الإدارات التي دعمت ومولت حروبها على مدار العقود والسنوات الماضية منذ حرب فلسطين وليس انتهاء بحرب الإبادة في غزة.
هذا فضلاً عن العلاقة الوطيدة التي تجمع بين ترامب ونتنياهو، والتي عبر عنها الأول في ولايته الأولى بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إل القدس، ومن ثم الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل. وفي الولاية الحالية شارك نتنياهو في الهجوم على إيران صيف العام 2025، ومن ثم قادا سوية عدواناً واسعاً عليها نهاية شباط الماضي.
–العامل الثاني هو في طريقة تعامل ترامب لدول الخليج. فهي ليست بنظره أكثر من خزائن مال يجب الاستحواذ عليها ونهبها. وهو باحَ بهذا الكلام أكثر من مرة بشكل علني، وأحياناً بطريقة غير لائقة دبلوماسياً وبما يناقض العلاقات المفترضة بين الدول. ولذلك لن يكون مستغرباً أن يطلب ترامب من دول الخليج أن تتحمل بعضاً من نفقات هذه الحرب بشكل أو بآخر.
–العامل الثالث يتعلق برفض ترامب الاعتراف بهزيمته أمام إيران، ولذلك فهو لا يُبالي بالخسائر، التي تلحق بدول الخليج أو بالعالم أجمع أياً كان حجمها أو نوعها، طالما أنه لايزال يمني النفس بإمكانية تأمين مخرج لائق له من هذه الحرب. والمثال الأبرز على ذلك إصراره على الحصار البحري، وتبديد الآمال بإمكانية عودة دول المنطقة لتصدير نفطها أو غازها المسال المخزن أو المنتج. كما أن استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل لمنشآت النفط والغاز الإيرانية رغم علمها المسبق بأن طهران سوف ترد على ذلك باستهداف المصالح النفطية الأمريكية في دول الخليج، يؤكد تعامي ترامب المطلق والمقصود عن أية خسائر تلحق بالخليج.
عباءة واشنطن
إن إحدى أهم نتائج الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، ورد الأخيرة عليها، أن دول الخليج، حكومات وشعباً، صار لديها قناعة أنه عندما يتعلق الأمر بـ “إسرائيل” ومشاريعها التوسعية والعدوانية في المنطقة، فإن جميع الإدارات الأميركية ستقف إلى جانب “تل أبيب”، حتى لو كان ثمن ذلك أمن دول المنطقة واستقرار اقتصاداتها ومصالحها. لكن هل تكون هذه الدول قادرة على إعادة النظر بعلاقاتها مع واشنطن؟ وهل تبقى الشركات الأميركية هي الأكثر حُظوة بمشاريع النفط والغاز في هذه الدول؟.



