عسكرة العشائر العراقية بين الماضي والحاضر النشاط البريطاني وعلاقته بعشائر العراق حتى الحرب العالمية الأولى

1
د. معتز محيي عبد الحميد
كان القرن السادس عشر قرن الانطلاق عبر المحيطات للكشف والاستعمار، وقد تزعمت هذه الحركة الكبرى كل من أسبانيا والبرتغال. أما إنكلترا فكانت خلال هذا القرن تسعى للحصول على شيء من ثروات التجارة البحرية. وقد أدى انتصار البحرية البريطانية على الاسطول الاسباني في معركة الارمادا الأسبانية سنة 1588 إلى فتح الطرق البحرية إلى البحر المتوسط أو المحيط الهندي أمام السفن الانكليزية فتألفت شركة الهند الشرقية الانكليزية عام 1600 للمتاجرة مع الشرق .
كما أن اتساع نطاق العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدولة العثمانية وبريطانيا قد ترك أثره في عقد مفاوضات بين الدولتين انتهت بعقد معاهدة سنة 1675 بينهما والتي لعبت دورا مهما في توطيد المصالح البريطانية في الدولة العثمانية بصفة عامة وفي نهري دجلة والفرات بصفة خاصة .
ويلحظ هنا أن العلاقات التجارية مع بريطانيا قد بدأت منذ مطلع القرن السابع عشر لا سيما من خلال شركة الشرق الأدنى (المشرق) التي تأسست عام 1581 وشركة الهند الشرقية الإنكليزية .
واجهت المصالح البريطانية التجارية في انهار العراق صعوبات كبيرة منذ القرن الثامن عشر فقد قامت قبائل بني كعب بإغلاق شط العرب في وجه السفن الصاعدة والهابطة معا، الأمر الذي أثار فزع السلطات العثمانية في البصرة وغضب شركة الهند الشرقية حيث كان لها مصالح في تمور هذه المنطقة. فقررت الوكالة البريطانية ارسال سفن مسلحة تتصدى لهم. فقد اشتركت سفن الشركة “سوالو” و “تارتر” و “فاني” فعلا في اربع حملات بالاشتراك مع العثمانيين ضد قبائل بني كعب وكانت النتيجة هزيمة نكراء بالنسبة للحملة البريطانية العثمانية الرابعة1766-1767. وقد أضطر البريطانيون إلى رفع الحصار البحري الذي فرضته على قبائل بني كعب عام 1768.
شهدت ثلاثينات القرن التاسع عشر نشاط بريطاني ملحوظ فيما يخص الملاحة النهرية في دجلة والفرات وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى زيادة الاحتكاك بين سفن الملاحة البريطانية والعشائر القاطنة على ضفاف الانهار مما ترك ردود أفعال سلبية لدى العشائر، فقد قتل جون تايلر G. Taylar شقيق المقيم البريطاني في بغداد روبرت تايلر R. Taylar على يد الإيزيديين الذين هاجموا فريقه قرب قرية تل كوجك عند محاولته مسح نهر دجلة .
وقام فرانسيس رودن جيزني F. Chsney بتدوين ملاحظات مهمة فيما يخص العشائر القاطنة على ضفاف نهر الفرات خلال عملية مسح هذا النهر عام 1830-1831. وعند عودة جيزني إلى بريطانيا حمل معه ملاحظاته التي قام بتدوينها، وفيما يخص طريق الفرات فقد ذكر أن هناك عراقيل تمنع الملاحة فيه منها، احتمال مهاجمة القبائل للسفن، وانه رأى أن التغلب على هذه العقبات أمر سهل اذا استرضيت القبائل على ضفتي النهر، وأن خطر القبائل يزول بتحضرها، ولم يكن ذلك في نظره أمرا عسيرا .
وبالرغم من المصاعب التي واجهتها بعثة جيزني من القبائل والعشائر العربية في الحلة والسماوة والمنتفك فقد استطاعت هذه البعثة بعد حصولها على موافقة الحكومة العثمانية بموجب الفرمان الصادر في 29 أيلول 1834 من مواصلة سيرها في نهر الفرات إلى البصرة .
وفي هذا الصدد نشير إلى أن جيزني قد ابدى نشاطا كبيرا بعد دخوله أراضي العشائر العراقية العربية في الاتصال بهذه العشائر والتعرف على احوالها ومن نشاطه هذا كان أتصاله بالعشيرتين الكبيرتين ذات النفوذ في الجزيرة العراقية وعلى بادية الشام، شمر الجربا وعنزة. ولم يكن من المستطاع ان ينفذ مشروع مد خط ملاحة بخاري في الفرات الا اذا وقفت شمر الجربا وعنزة موقفا مسالما من بعثة جيزني ووضع حد للنزاع الطويل بين العشيرتين .




