عقوق
ياسين شامل
آلام الإنسان لا تنتهي ما دامت الحياة مستمرة، ليست الآلام المتأتية من جرح أو عجز في أداء القلب ومكوناته فحسب وإنما حتى جروح الشعور قد تكون أشد وقعا على الإنسان، اليوم زاد الألم في قلبي وأصبح كوخز الإبر في الشغاف وكطعن السكاكين في الأكتاف، وكلما فكرت أن أعالج نفسي أو أشتري الدواء الذي يخفف بعض آلامي، ويبعد عني المرض أو قد يدرأ شبح المستقبل المجهول المتربص بي، حيث لا يكفي ما أحصل عليه من مال لسد نفقات الحياة اليومية.
أصبح موضوع معالجتي مشروعاً مؤجلاً أكثر من مرة، حيث أن حياتي كلها مشاريع مؤجلة، الكثير منها طوتها يد النسيان والبقية لم تطولها ذات اليد القصيرة. لما أشتد بي الألم بدا واضحاً عدم قدرتي على تحمله. جلبت أمي قرطيها، كانا من الذهب، ويعدان من التحف النادرة لما خلفه الزمن البعيد، ورثتهما أمي عن أمها، هكذا كانت سلسلة من التوارث من الأم إلى أبنتها حتى أخر المطاف أستقر هذا الإرث في صندوق أمي الخشبي المزخرف بنقوش فضية جميلة.
كان أعز ما خلفته لها أمها ولم تبق لها ذكرى سواهما، وقد حافظت على هذين القرطين طويلاً رغم كل الظروف القاسية المفعمة بالفاقة والعوز، إلا إنها اليوم أجبرتني على بيعهما في أي سوق، بعيداً عن عيون الجيران، كي لا ينتشر الخبر وحينها لا تستطيع أن تواجه النساء أو الرد عليهن عندما يعرفن ذلك، ويبدآن بالسؤال بطريقة خبيثة، وتتحمل هموماً إضافية فوق همومها.
لعل بيع القرطين قد يوفر بعض المال كي أعالج مرضي، لكني عندما دخلت الردهة في مستشفى “الحياة السعيدة ” ليس فيها ثمة دواء، بعيداً عنها قد هرب الأطباء، كانت أمي قد فارقت الحياة، كما أعلمني البواب قد كان سبب الوفاة قلبها الواهن. دفعت رشوة كي أحصل على الجثمان، فبكيت ومن تلك اللحظة لم أحتج إلى الدواء ووددت لو أموت، عندما أتصور أمي قد تدفن من دون أن تخلف أقراطاً.



