اخر الأخبارثقافية

عامر حسن.. رسام النخيل والماء المرتبطين بصورة العراق في الذاكرة الجمعية

المراقب العراقي/ أميرة ناجي..

ليس كل فنان يكتفي بتسجيل ملامح الطبيعة، فهناك من يجعل منها أرشيفاً للذاكرة ومرآةً للهوية، ومن هذا الأفق تنطلق تجربة الفنان العراقي عامر حسن حيث تتحول البساتين والأنهار والنخيل إلى مفردات نابضة بالحياة تحمل في أعماقها تأريخ المكان ووجدان الإنسان.

أمام أعماله لا نقف إزاء مشاهد ريفية جميلة فقط، بل ندخل عالماً يستعيد العلاقة الأولى بين الأرض وأبنائها، ويمنح التفاصيل اليومية قيمة جمالية تتجاوز حدود الزمن.

يقول الفنان الإنجليزي جوزيف مالورد تيرنر: الضوء هو اللون، تبدو هذه العبارة مفتاحاً مناسباً لقراءة تجربة عامر حسن، لأن الضوء في أعماله ليس عنصراً مساعداً في تشكيل المشهد بل أساس الرؤية الفنية ومركزها، إنه القوة التي تمنح الأشياء حضورها وتكشف طبقاتها الشعورية، فالأشجار تتنفس عبر الضوء والمياه تستعيد حركتها من خلال انعكاساته والفضاءات المفتوحة تكتسب عمقها من التدرجات اللونية التي يصوغها بحساسية عالية.

وتكشف أعماله عن تمكن واضح من تقنيات الرسم بالألوان المائية تلك التقنية التي تتطلب خبرة طويلة ودقة استثنائية في التعامل مع العلاقة المعقدة بين الماء واللون. فالألوان المائية لا تمنح الفنان مساحة واسعة للتراجع أو الإخفاء بل تفرض عليه أن يكون حاسماً ومدركاً لمسار اللون منذ اللحظة الأولى. لهذا تبدو لوحات عامر حسن نتيجة معرفة تقنية راسخة، استطاع من خلالها أن يطوع الخامة لتصبح جزءاً من لغته التعبيرية. ففي أعماله تتجاور الواقعية والانطباعية في توازن مدروس. فالمشهد يحتفظ بملامحه الأساسية وهويته المكانية الواضحة، لكنه يتحرر من النقل الحرفي الجامد.

لا يلاحق الفنان التفاصيل الصغيرة بقدر اهتمامه بالجو العام والإحساس الذي يتركه المكان في النفس، لذلك تبدو اللوحة أقرب إلى ذاكرة بصرية منها إلى تسجيل مباشر للواقع، ويتجلى هذا الأمر في معالجته للنخيل الذي يحتل مساحة واسعة من مشروعه التشكيلي. فالنخلة عنصر مهم داخل اللوحة بل يعد رمزاً متجذراً في الثقافة العراقية وامتداداً حياً لتأريخ طويل من التفاعل بين الإنسان والطبيعة. ومنذ حضارات سومر وأكد وبابل ظل النخيل علامة للخصب والاستقرار والحياة، لذلك يحضر في أعمال الفنان محملاً بأبعاد ثقافية وحضارية تتجاوز حضوره الشكلي.

ولعل ما يمنح هذه الأعمال خصوصيتها هو العلاقة العميقة التي يقيمها الفنان بين النخيل والماء. فكلاهما يشكلان الركيزة البصرية للمشهد وكلاهما يرتبطان بصورة العراق في الذاكرة الجمعية. الماء هنا ليس مساحة ساكنة أو خلفية للمشهد بل هو كائن بصري حي يشارك في صناعة التكوين. انعكاسات الأشجار فوق سطحه تخلق عالماً موازياً يمتزج فيه الواقع بالحلم وتتحول فيه الصورة إلى حوار مستمر بين الأصل وظله، ومن خلال هذا الحوار تنشأ حركة هادئة تمنح اللوحة طاقتها الداخلية. فالعين تنتقل بين الأشجار وانعكاساتها وبين ضفاف الماء وامتداد السماء لتكتشف أن الفنان لا يرسم الطبيعة كما هي بل كما تعيش في الذاكرة. وهنا تكمن إحدى أهم خصائص تجربته إذ تتحول اللوحة إلى مساحة يستعيد فيها المكان حضوره الوجداني بعيداً عن ضجيج الحياة اليومية.

أما اللون فيمثل ركناً أساسياً في بناء هذا العالم البصري. فالفنان يعتمد منظومة لونية تنتمي إلى البيئة العراقية نفسها. الأخضر بمختلف درجاته يهيمن على المشهد ليحمل دلالات النمو والاستمرار فيما تتجاور معه الأزرقات الرائقة التي تمنح الفضاء سكينة واتساعاً. وتتدخل الأصفرات الدافئة والبنيات الترابية لتؤكد صلة المشهد بالأرض وتمنحه دفئاً بصرياً يذكر بمناخ الجنوب العراقي وأفقه المفتوح.

ولا تتوقف أهمية اللون عند حد الإيحاء الجمالي بل تمتد إلى بناء الحالة الشعورية للعمل. فكل درجة لونية تؤدي دوراً في تشكيل المزاج العام للوحة. ولهذا تبدو الأعمال متوازنة ومتناغمة بعيدة عن الصخب والمبالغة وقريبة من التأمل والسكينة.

أما من الناحية الأسلوبية يمكن النظر إلى تجربة عامر حسن باعتبارها امتداداً معاصراً لتيار المنظر الطبيعي الذي يركز على العلاقة بين الإنسان ومحيطه، لكنه لا يكتفي باستعادة هذا التقليد الفني بل يطوره من خلال رؤيته الخاصة للمكان العراقي. فالمشهد الطبيعي عنده ليس موضوعاً للرسم فقط، بل حاملاً للذاكرة والهوية والثقافة.

ولهذا لا تبدو الطرق الترابية والحقول والبساتين عناصر منفصلة داخل اللوحة وإنما أجزاء من سرد بصري متكامل. كل عنصر يؤدي دوراً في بناء الحكاية الكبرى للمكان. حتى الشخصيات البشرية التي تظهر أحياناً تأتي بحضور هادئ، منسجمة مع الطبيعة ومندمجة في إيقاعها العام وكأن الفنان يؤكد وحدة الإنسان وأرضه ضمن نسيج واحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى