اخر الأخبار

القيادة الدينية لثورة العشرين وأسبقيتها في قيادة الحركة الوطنية

خهجخحج

ان هذه الاسبقية لم تتاثر يوما ما بسبب بروز القيادات السياسية في هذا الميدان كقوة ذات شأن .حيث ان القيادة الدينية تكون اقدر القيادات على استنفار المواطنين للثورة على الظلم والاستبعاد في الاقطار المختلفة .حيث قامت في اواخر العهد العثماني باخطر ثورة فكرية سياسية ضد كل من تركيا وايران ,عندما طرحت شعار (الحكم المشروط بالدستور )وراحت تعمل على تحقيقه بكل قواها ,وقد استمرت هذه الثورة لتوطيد الحكم الدستوري في كل من تركيا وايران الى عام (1911)حيث توفي فجأة وفي ظروف غامضة الامام ملا كاظم الخراساني ابو الاحرار الذي كان يراس الحركة الدستورية في النجف .وكان قد اعن الجهاد لمحاربة الشاه الذي كان مستبدا وخاضعا للاستعمارين الروس والانكليز .وقد تجمع الالوف من العشائر المدنيين في النجف استعدادا للسفر .وفي ليلة الحركة اصبح الخراساني ميتا في فراشه ,وكان من ابرز تلاميذه الامام الشيخ محمد تقي الحائري الذي قاد ثورة العشرين بعد ذلك ,حيث طالبت باستقلال العراق .وكان هذا شعار القيادة الدينية في ثورتها الفكرية ضد العثمانيين والايرانيين مفادها (الحكم المشروط بالدستور).واما في ثورة العشرين فكان شعارها (الاستقلال التام الناجز )وكلا هذين الشعارين كانا جذريين وبمستوى الثورة يومذاك .أما القيادة السياسية التي خرجت نهائيا من القيادة الدينية هي اللعبة التي لعبها الاستعمار وعملاؤه,عندما سلموا الحكومة الوطنية الى فيصل بن الحسين وحفنة من الضباط الذين كاتوا يعملون في الجيش العثماني ,ويرتبطون في نفس الوقت بالانكليز بشكل أو بآخر.هؤلاء الذين جرأوا بكل صفافة ودماء الثائرين بعد لم تجف ,على تزييف الانتخابات ,ونفي العلماء ليصفو لهم الجو في خدمة الاستعمار ,وبذلك أضعفوا القيادة الشعبية المخلصة ليسيروا بالبلاد تلك السيرة اللئيمة المعروفة .
ومن هنا يتضح ان القيادة الدينية بدأت عملها السياسي العنيف بجلاء في الحركة الدستورية التي قام بها في النجف ,الشيخ ملا كاظم أبو الاحرار وأنتهت بوفاته غام (1911).تلك الحركة التي اقلقت الحكومتين الايرانية والعثمانية ومن يقف وراءها من الانكليز والروس .وكان شعار القيادة المعلن (لا حكم بلا دستور).حتى اضطرت ايران على اعلان دستور عام (1906)واضطرت بعدها تركيا الى اعلان دستور عام (1908).أما بعد وفاة ابي الاحرار ,فقد تولى القيادة والزعامة الدينية السيد كاظم اليزدي ,الذي كان لا يرى تدخل الدين بالسياسة .وقد دعمته الجهات التي كان يهمها ان يسود هذا الرأي الذي يقوي نفوذه وتضعف شأن تلاميذ ابي الاحرار ,ضعفت القيادات الدينية امام الحركات السياسية ,بل انعدمت ولم يكن لها شان ,الا عند وفاة السيد اليزدي عام (1919).حيث كان النجفيون في أواخر عام (1918)بعد ثورتهم على الانكليز قد كاتبوا الشيخ محمد تقي الحائري في سامراء للحضور الى كربلاء ,وهو كبير تلاميذ أبي الاحرار للمراجعة في التمهيد للثورة العراقية على الانكليز,لان اليزدي كان لايسمح بشيء من ذلك .وفعلا سافر الحائري الى كربلاء وأقام فيها ,وجعل رجال الدين في النجف وزعماء عشائر الفرات الاوسط وبعض رجال السياسة في بغداد يراجعونه في هذا الشأن .وعندما توفي السيد اليزدي عام (1919)انتقلت الزعامة للامام الحائري وأصبح المرجع الديني والسياسي الوحيد على ما هو معروف ,حيث قامت الثورة بفتواه .وفي هذا يتضحان القيادة الدينية لم تضعف الا عندما انفرد اليزدي بزعامتها خلال اعوام (1912 الى 1918).وليس بسبب بروز القيادات السياسية التي لم يكن لها شأن يومذاك .لان القيادات السياسية لم تبرز بجلاء ووضوح الا في عام (1920).وكانوا على محورين ,منهم من اعد لتولي الحكم في البلاد وتكوين الطبقة الحاكمة التي ربطت مصيرها بمصير الاستعمار .والثاني برز من بين طبقات الشعب وعلى رأسهم جعفر أبو التمن ومن لف لفه من رجال السياسة في بغداد ممن وقفوا موقف المعارضة لجميع مشاريع الاستعمار .وكانوا يتصلون بالزعامة الدينية بعد وفاة اليزدي ويستمدون قوتهم منها .لذلك كانوا يقلقون الطبقة الحاكمة ويثيرون الغبار من وجوههم ,مما يحول دون تحقيق المشاريع الاستعمارية .ان رجال المحور الاول الذين كافأهم الانكليز بعد ثورة العشرين .بتسليمهم مقاليد الحكم بعد الثورة ليتمكنوا من تنفيذ الدور ويسلموا خيرات البلاد لقمة سائغة للاستعمار .فالنتائج التى تعقبت الحكم ,تكفي للاستدلال على حقيقة من دعاهم بالقيادة التي لم تكن موقفها مدعاة لترسيخ قدم المجاهدين في الجهاد .وانما كان مدعاة لترسيخ قدم الاستعمار في العراق ,لانها أي القيادة السياسيةفي بغداد لو وقفوا مع المجاهدين بجمع المال والسلاح ,وارسال المتطوعين لتغير الحال وقلب الموازين ومع هذا كان هناك من المخلصين الاحرار والشباب المثقف وبعض صغار الضباط الوطنيين كان لهم موقف وطني مشرف ,مؤيدين الجهاد ضد الانكليز ,ويعملون قدر استطاعتهم في تأييد المجاهدين ,ولذالك طاردهم الانكليز وأودعوهم السجون والمعتقلات عندمارسخت أقدامهم في العراق .
ان تسلم العملاء من الضباط والسياسيين مقاليد الحكم بعد الثورة ليست بروزا للقيادة السياسية على حساب القيادة الدينية .وبرغم مسارعة المثقفين الى الانضمام الى المؤسسات السياسية ,وبالتالي توسيع تلك المؤسسات التي تكونت في بغداد وغيرها في تلك المدة ,لكنها لم تكن من القوة بحيث تتمكن من اثارة الشعب في ثورة مسلحة ضد الاستعمار ,وانما الاهمية الكبرى لرجال الدين في هذا المجال .لذلك لم يجرأ هؤلاء على التفكير بأخذ القيادة من رجال الدين الاحرار ,وانما أقتصرت أعمالهم على بعض التحركات السياسية بزعامة القيادة الدينية .ولهذا لم تنتقل القيادة من رجال الدين الا بعد تسفيرهم من السلطات القائمة انذاك .وحتى هذا الانتقال لم تكن انتقالا سليما الى قيادة سياسية سليمة ومخلصة ,وانما انتقلت بالظاهر الى ممثلين يعملون على مسرح السياسة العراقية منقسمين على أنفسهم بين مؤيدين ومعارضين .أما في الحقيقة فقد انتقلت الى فئة التزمت جانب المعارضة باصرارالى ان قضي عليها بالتدريج بمختلف الطرق والاساليب .والباقون منهم عدّوا انفسهم في حالة جهاد ضد الاستعمار وعملائهم الى ان ثار الجيش والشعب ثورته الثانية في الرابع عشر من تموز المجيدة عام (1958).بل هم لا يزالون في جهاد ضد الاستعمار والمستعمرين واذنابهم من العملاء .ولم يعرف العراق حكما وطنيا الا بعد ثورة تموز التي هي امتداد لثورة العشرين .

محمد ناصر الفيلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى