اخر الأخبار

من الماضي القريب .. الشاعر الجواهري يرثي جعفر أبو التمن

عندما رثى الجواهري، رائد الوطنية العراقية محمد جعفر ابو التمن (1881-1945)، وصف حاجة البلاد اليه كـ (حاجة الاعمى الى الابصار). قبل رحيله كان قد اعتزل العمل السياسي بعد سلسلة من الخيبات والاحباطات التي رافقت مشوار كفاحه من اجل ان يسترد سكان الوطن القديم ملامحهم العابرة للهويات القاتلة. وقبل سبعة عقود رحل عنا (ابو التمن) ورغم كل ذلك الاجحاف الذي واجهه،كانت عيونه ترنو الى وهج ونهوض جديد، يعيد ترميم مشروع حلمه الجميل عبر تشييد صرح (الامة-الدولة). وباستثناء السنة الاولى من عمر الثورة (1958-1959) تلاحقت الاحداث محتقنة بكل ما يتنافر وذلك الأمل اليتيم…بعد ان تلقف صبيان العوجة ومن تجحفل معهم حصاد نصف قرن من تضحيات احرار هذه البلاد.لقد مرت سبعة عقود على رحيل جعفر ابو التمن، وسبع سنوات على سقوط ابشع نظام شمولي عرفته بلاد الرافدين، غير ان الحال مازال يسير على ذات المنوال والايقاعات والثوابت، التي اجبرت ابو التمن ومن على منهجه وسيرته للاعتكاف والانزواء بعيداً عن المساهمة في الشأن العام، بعد ان فقد الثقة بالكيانات السياسية ولعبة الديمقراطية المفرغة من روحها، بفعل هيمنة الصفوة المدعومة من سلطة الانتداب والقوى التقليدية النافذة.لا بل يمكن القول بمرارة؛ اننا لم نعد نمتلك أمثال ابو التمن واصحابه من نسيج كامل الجادرجي وعبد الفتاح ابراهيم ومحمد حديد وعزيزشريف وتلك الكوكبة من الشخصيات التي قدمت كل ما تستطيع من أجل رفعة الشأن العام، بعد ان تسللت الى ساحة العمل السياسي والحزبي حزمات من (العملة السيئة) والبرامج المحمومة.لم يتبق الكثير من الوقت امام نواب القوائم المغلقة، لتوديع مقاعدهم البرلمانية، فنحن امام جولة جديدة لانتخابات لم ينضج قانونها العتيد بعد….كما اننا سنشهد صراعاً سياسياً من دون قانون للاحزاب تحتكم اليه الكيانات والاحزاب في جدلية تنازعها..!
قد يتساءل البعض؛ كيف يعتزل من رحل عنا منذ أمد بعيد؟
يعتزل، ذلك الارث الناصع من الكفاح ونكران الذات، والذي جسد من خلال انخراطه بالشأن العام والنشاط الحزبي والسياسي والمهني، انموذجاً لجنين الوطنية العراقية الحقة، البعيدة عن كل انواع المزاودات (القاتلة) وصمد امام مختلف الضغوط بشكل قل نظيره. تاركاً لنا مدرسة فكرية واخلاقية مترعة بكل ما يمكن ان يعيننا في التصدي للتحديات الراهنة. ومن سوء حظ سكان هذا الوطن المنكوب، ان هذا الارث الناصع قد واجه اقسى حملات التنكيل والتشويه والتهميش والنسيان.
انه يعتزل…لان القوى والمؤسسات والبيارغ والتي اجبرته على الاعتكاف بعيداً، مازالت تصول وتجول، لا بل ازدادت صخباً على خشبة (ديمقراطيتنا المسلفنة) ولانحتاج الى جهد كبير لرصد ممثليها الجدد المولعين باستعارة رموز الآخرين وخاصة عناوين تلك المدرسة الرائدة من قبيل (الوطنية والعراقية والنزاهة و…).
مئات الكيانات (السياسية) والقوائم المؤتلفة، المتدافعة صوب مقاعد البرلمان القادم، لكن ليس من اليسير العثور من بينها على من نلتمس فيه شيئاً من اعراض تلك المدرسة السياسية والقيمية التي اعتكفت عام 1937 وتوهجت بشدة في الاشهراليتيمة المحصورة في تلك السنة قبل نصف قرن (1958-1959) ثم انكفأت لاربعة عقود (الحقبة الممتدة بين عبورين بدأت بالقطار وانتهت بالدبابة) الى ان استيقظنا على وقع خطى الاقدار القادمة من خلف البحار…في عتمة هذه الحشود المتدافعة نفتقد جعفر ابو التمن وورثته الحقيقيين، غير الملوثين بالادعاءات الجوفاء.
اتخيله الآن وهو يضرب كفاً بكف اسفاً ووجعاً على الحال الذي وصل اليه البلد الذي كان قبل اكثر من نصف قرن رائداً ومتقدماً بوعيه ومشاريع برامجه؛ الى تلك (الارض اليباب) حيث (العالم ملجم والجاهل مكرم) وزمن لم يعد فيه من امثال ساسون حسقيل (صاحب بيت المال) الذي لم يمنح الملك مبلغاً اضافياً بعد ان نفدت ميزانيته المخصصة… بل مخلوقات جديدة تنحت عن طريقها سلالات القوارض خجلاً من فضاءات شراهتها اللانهائية…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى