اراء

استراتيجية أمريكا في الشرق الأوسط: بقاء أم انسحاب؟

بقلم/ د. علي ابراهيم مطر

 

يطرح الكثير من التساؤلات اليوم داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها حول انسحابها من الشرق الأوسط. ويواجه الكثير من الباحثين والدبلوماسيين والضباط العسكريين الأمريكيين مثل هذه الأسئلة التي تضع الولايات المتحدة الأمريكية أمام ضغط يضاف إلى الضغوطات التي تواجهها في إدارة علاقاتها الدولية، وبالتالي البحث عن إجابات واقعية لمستقبلها في الشرق الأوسط.

وتظهر العناوين الرئيسية للحركة الدبلوماسية والعسكرية الأميركية، أن العامين الماضيين لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يتميزان بسلسلة من التحولات الجذرية التي تحفز على الاختيار بين الاصطدام أو الانسحاب الجزئي التكتيكي ومن ثم الانسحاب الاستراتيجي من منطقة غرب آسيا.

كل ما ذكرناه حتى الآن، يعطي تفسيرات متضاربة وشديدة الاختلاف لموقف إدارة ترامب في الشرق الأوسط. حيث يوجد تفسيران أساسيان الأول هو التحذيرات من حرب جديدة، والثاني إعلان “حقبة ما بعد أمريكا” في الشرق الأوسط. ومع ذلك فلا مساحة في التركيز على اصطلاح الانسحاب وهو التفسير الأكثر واقعية لدور الولايات المتحدة الأميركية المقبل، إذ يتفق معظم الباحثين في مراكز الدراسات الأميركية والضليعون في السياسة الخارجية لواشنطن على أن شيئًا أساسيًا حول وجود أمريكا في المنطقة يتغير، إلا أنهم يعتبرون أن الانسحاب الكامل للولايات المتحدة دون أي ترتيبات في المنطقة سيكون كارثة، ومع ذلك يطرح السؤال لماذا الانسحاب؟

أولاً: الشرق الأوسط لا يستحق المعاناة:بعد ما قدمناه سالفاً نعرض بعض الاراء الصادرة عن باحثين أميركيين، مستفيدين من عدة دراسات نشرها مركز الاتحاد للأبحاث، ونشير بدايةً إلى حوار نظّمه جون الترمان مدير برنامج الشرق الاوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن (CSIS) بتاريخ 22 حزيران/ يونيو 2020، مع جاك سوليفان حول النقاط التي طرحها في مقال كتبه مع دانيال بنعيم بعنوان “فرص أمريكا في الشرق الأوسط: يمكن أن تنجح الدبلوماسية حيث فشلت القوة العسكرية” نشرته مجلة فورين افيرز بتاريخ 22 ايار/ مايو 2020.

ثانياً: التريليونات والحروب لم تحقق الاستقرار:لقد أنفقت الولايات المتحدة تريليونات الدولارات للحفاظ على هيمنتها العسكرية في الشرق الأوسط، كما تقول مجلة The National Interest الأمريكية. وقد فعلت ذلك تحت مسمى “إرساء الاستقرار في المنطقة وتحقيق أمن الولايات المتحدة”. لكن لم يتحقق أي من هذين الهدفين. بل أدت التدخّلات الأمريكية في الشرق الأوسط إلى زعزعة استقرار المنطقة مع تحفيز حلفاء الولايات المتحدة على التخلي عن الدبلوماسية الإقليمية وإنفاق المال السياسي في واشنطن لإقناع الولايات المتحدة بخوض الحروب من أجلهم.

لقد تحدث ترامب دائماً عن التكلفة البديلة لحروب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وانفاق الأموال على إدارة الأزمات الداخلية بدلاً من خوض حروب خارجية، ولكنه مع ذلك فشل في الأمرين في إرساء الاستقرار في الشرق الأوسط أو في إدارة أزماته الداخلية المتعددة. لم يضع ترامب حداً لأي من الحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط بل إنه ذهب نحو أفعال كادت تؤدي إلى حرب كبرى مع اغتيال القائد سليماني ومن ثم قلل من هيبة بلاده بعد الرد الإيراني في عين الأسد دون أن يحرك ساكناً، ما يعكس عدم جهوزية واشنطن لفتح حروب جديدة، وكان من تداعيات ذلك مطالبة العراق، بخروج الجنود الأميركيين من أراضيها، إلا أنه لم يستطع اتخاذ قرار جريء بسحب هذه القوات، فضلاً عن أن اتفاقيته مع طالبان لن تسفر على الأرجح إلا عن خفض عدد القوات الأمريكية إلى مستويات أقل.

لقد عجز ترامب عن إنهاء السياسات التصادمية مع إيران، بل اتبع مساراً يضع الولايات المتحدة على شفا حرب جديدة في الشرق الأوسط. واستمر في سياسة العقوبات ضد طهران ولكن بالرغم من مرور 3 سنوات على إعادة فرض العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني، فشل ترامب في تحقيق حتى هدف واحد من أهدافه، بل وفي معظم الحالات، عزَّزت طهران من سياساتها التي سعت واشنطن إلى تغييرها.

لذلك ووفق كل ما تقدم، بات من الضروري أن تبدأ دول الشرق الأوسط بالتفكير الاستراتيجي للتعامل مع واقع ليس فيه الولايات المتحدة الأمريكية، سواء كان ذلك بسبب تراجع مكانة أمريكا، أو لأن أي رئيس قادم سيكون غير قادر على التورط الخارجي، أو لأن الشعب الأمريكي يرفض المغامرات الخارجية ويفضل الحلول الدبلوماسية، وبالتالي على دول المنطقة وخاصةً العربية أن تقبل بالدور الإيراني المتقدم، وتقبل أن العالم حالياً بات ثلاثي الأقطاب تتقاسمه إلى جانب الولايات المتحدة كل من الصين وروسيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى