مَنْ قلب تأريخ العراق رأسًا على عقب؟

قاسم العجرش
بصرف النظر عن الدماء البريئة التي أريقت صبيحة يوم 14 تموز عام 1958، وخصوصا دماء نساء العائلة المالكة وأطفالها ، إلا أن ثورة تموز حققت منذ أول لحظة من حدوثها، نتائج كبرى على المَديينِ الاستراتيجي والتكتيكي..
أول تلك النتائج؛ أنها أوقفت تطور حالة غريبة في إنشاء أنظمة الحكم، وهي أن تنصب عائلة غريبة عن وطن ما لتحكمه!
العائلة الهاشمية التي حكمت العراق منذ مطلع القرن العشرين، هم من أبناء الشريف حسين، حاكم مكة آنذاك، والتي أختير أحد أفرادها ( فيصل بن الشريف حسين)، ليكون ملكا على سوريا أول مرة من قبل البريطانيين، مكافأة له لإسناده بريطانيا فيما سمي حينها بالثورة العربية الكبرى، وهي مجموعة تحركات عسكرية، لقبائل عربية ساندت البريطانيين، في إزالة الدولة العثمانية التركية، التي حكمت المناطق العربية، وبضمنها العراق أكثر من خمسمائة سنة، لتزول في نهاية المطاف تلك الدولة التي أدعت الخلافة الإسلامية، ويحل محلها الاحتلال البريطاني للعراق والجزيرة العربية، والاحتلال الفرنسي لبلاد الشام..
الفرنسيون طردوا “فيصل”العميل البريطاني من حكم سوريا، وأسَّسُوا أنظمة موالية لهم، وبريطانيا بقيت ملتزمة تجاه عميلها فمنحته العراق نِحْلةً له ولأولاده الذين خلفوه ، وكأن العراق ليس فيه رجال يستطيعون أن يحكوا بلادهم!
في 14 تموز 1958 انتهى هذا الوضع الغريب، وبدأ أول حكم وطني عراقي، وما قبله لم يكن ثمة حكم وطني في العراق، فقد كان حكما هو الذي وصفناه آنفا..غرباء يحكمون بلدا لا ينتمون له أبدا، سواء الأتراك أو الأسرة الملكية الهاشمية!
هكذا يمكن تنحية بعض الدوافع الإنسانية، التي تتقزز من القتل وترفضه، وأن يحاول من يكتب التأريخ أن يتقبل الفكرة، لأنها ضرورية لإنهاء وضع ليس صحيحا، لاسيما أن حكام ثورة تموز كانوا أول عراقيين، حكموا العراق منذ طيب الذكر حمورابي..!
في ما تلا من أيام بعد الثورة، شعر الفقراء أن لهم من يحميهم من جور الإقطاع، وهو وضع حَوَّلَ فيه الذين تملكوا العراق باسم النظام الملكي، معظم الشعب العراقي، الذي كان نظامه الاقتصادي زراعيا بالدرجة الأولى إلى عبيد في أرضهم، وفقا لنظام الإقطاع وهو منح أرض العشائر إلى زعماء العشائر، الذين تحولوا إلى أقطاعيين ملكوا الأرض والإنسان، في نظام زراعي يعتمد القنانة والعبودية، وتملك أفراد العائلة المالكة الغريبة عن العراق، ملايين الدونمات التي منحت لهم ملكا صرفا..وانتهى هذا الوضع بقانون الإصلاح الزراعي الذي سَنّتْهُ الثورة وطبقته فورا وبجرأة وشجاعة .
في ثورة الرابع عشر من تموز، استعاد الفلاح حريته، ولم يعد عبدا يعمل في أرضه؛ وبالتوازي مع هذا الإجراء العظيم، الذي قام به الثوار من الضباط الأحرار، الذين تزعمهم عبد الكريم قاسم، بدأت عملية أكبر لاستعادة الثروة النفطية العراقية، من الشركات البريطانية والأمريكية، وسن قانون رقم 80 لتأسيس شركة النفط الوطنية العراقية,..
ثمة إجراء قامت به الثورة هو الأهم على الإطلاق، وما تزال آثار هذا الإجراء تحصد إيجابيات لا حدود لها..فقد نمت حويصلات لسكن عشوائي للفقراء في مدينة بغداد وأطرافها، وتعود أصول هؤلاء الفقراء إلى جذور فلاحية، هربت من جور الإقطاع وظلمه في الوسط والجنوب، باحثة عن فرص عمل بلا خضوع لعبودية شيوخ العشائر، فجاءوا إلى بغداد العاصمة، بحثا عن حياة أفضل وعيش بكرامة..
بغداد في العهد الملكي لم تمنح هؤلاء غير بيوت الصفيح والصرائف، في الشاكرية والوشاش وأطراف الكاظمية في الكرخ، ومناطق الميزرة والعاصمة والصليخ وتل محمد في الرصافة..الناس الذين هم في عمري يعرفون أين تقع هذه المناطق اليوم..! أما فرص العمل فقد كانت كجنود متطوعين في الجيش والشرطة، لمن يعرف القراءة والكتابة منهم، وفي الأعمال التي تتطلب جهدا بدنيا شاقا، لا يقوى عليه أبناء بغداد المتحضرين، الذين يترفعون عن القيام به..ونمت ظاهرة الشروكَية..!
ثورة تموز قامت بتوزيع الآلاف من قطع الأراضي السكنية في جانبي بغداد، لهؤلاء الفقراء، وتشكل أكبر وجود لـ”الشروكَية” في قلب العراق، وتغير بذلك الوجه الديموغرافي لبغداد إلى الأبد، لصالح ” الشروكَية”الذين “صادف” أنهم “شيعة”,,وذلك هو الانتصار العظيم الذي قلب تأريخ العراق رأسا على عقب..!
سلام.



