اراء

امريكا تهاجم العالم بـ”قاع المجتمع”

بقلم/ محمود الهاشمي

لم يكن بحسبان احد ان بالامكان الاستفادة من “قاع المجتمع”، فهؤلاء فئة هم وان كانوا مخلوقات محسوبة على البشر، لكنهم لهم عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم الخاصة، وربما صادفوك في شارع او مكان عام، لكن من الصعب ان تتفهم، اين يسكنون والى اي مكان يذهبون، واذا ما دخلت المعتقل او السجن – لسبب اما- ، سوف تجد هذه الفئة تغص بها هذه المواقع وقد ارتكبوا ابشع الجرائم من قتل وسرقات وبيع مخدرات، وما لا تعد ولا تحصى من انواع الجرائم، لكن هم فيما بينهم حالة من التفاهم والعيش، ولهم القاب وعناوين، يتقاتلون فيما بينهم غالبا، فتسفك الدماء، و تقطع الاصابع، او الاكف، ثم تراهم بعد دقائق يعاودون الاحاديث والتزاور وليس فيهم من يسال عن نوع الملابس، التي يرتديها، ولا الوسخ الذي يعلو جسده، ولا نوع اثار الطعنات والوشم.

هذه الفئة ليس هنالك من يسال عنهم، ولا عن معيشتهم و كيف تكوّنوا او كبروا و من هم الاباء والامهات الخ.

علماء الاجتماع يقولون عنهم باختصار شديد هم “نتاج طبيعي للصراع الاجتماعي والاقتصادي، يزيد عددهم او يقل وفقا لنوع النظام و قوته او ضعفه”، ويعدونهم “ضحية”… هنالك تقارير لدى الاجهزة الامنية عنهم لانهم “اصدقاء المعتقلات والسجون”، و الاحياء الفقيرة، في احيان كثيرة يفضلون حياة السجن على الحياة العامة، كتب عنهم ادباء كثيرون، وافضل كتاب يمكن مطالعته عنهم ( مغامرات صحفي قي قاع المجتمع المصري  لمؤلفه عبد العاطي حامد ) لكن غالبا ليس هنالك من يفكر ان يستفيد منهم يوما، لانهم يمثلون اعلى مراحل “التمرد” ، وهم يكرهون الناس (الاسوياء) و يرون فيهم (غاصبين )لحقوقهم، وهم وراء ضياعهم وشقائهم، ويرون في قتلهم او سرقتهم حقا شرعيا.

ان واحدة من اهم مشاكل هذه الفئة انها لا تفكر بغدها ولها استعداد ان تحطم اي شيء امامها وتحرقه “ليتطابق” مع الخراب الذي في داخلها كما يفسر ذلك علماء النفس .

هذه الفئة اجرت الولايات المتحدة عليها دراسات كثيرة، و يبدو انها توصلت الى “نتائج ناجحة”، فبدلا من ان تاتي بالصواريخ والقنابل لهدم اي مبنى ، فهؤلاء بامكانهم ان يهدموا او أن يحرقوا دون اي تردد ودون الخشية من اي عقوبة فهم خريجو السجون والمعتقلات.

وامريكا بنت تجربتها على (قاع المجتمع) أول نشأتها من  العناصر المشاكسة والفارة من سلطة القانون ،في دولهم وهؤلاء شكلوا العصابات وباشروا بقتل الابرياء من السكان الاصليين للاستيلاء على اراضيهم لصالح الاغنياء مقابل مبالغ مالية ،واستمرت هذه العناصر  بدعم النظام الاميركي حتى حكومة ترامب حيث اخرجوا اسلحتهم ووقفوا للدفاع عن الجنس الابيض ضد الاحتجاجات التي خرجت ضد التمييز العنصري بعد مقتل الرجل الاسود (جورد فود ).

هذه الفئة الصعبة المراس، والفهم تحتاج الى ان تدخل عوالمها وتتفهم حياتهم وطرق، معيشتهم وحاجتهم ثم كيف تحولهم الى تنظيمات ولها قيادات وكيف تتلقى التوجيهات والمهام الملقات عليها، ومصادر التمويل والتاثير.. ربما كانت التجارب الاولى التي لفت نظر الامريكان حجم الخلافات والمشاكل  التي كانت تقوم بها أحياء العشوائيات، و الاماكن الفقيرة المزدحمة، وحجم الجرائم التي يتم ارتكابها والجرأة، والاقدام على اعمال القتل والسرقة.

ان أغلب التقارير التي كانت تكتب عن هذه الفئة تنعتهم بالذم، وصعوبة الاستفادة منهم وهم يكرهون “النظام” ويذمون المواعيد، ينامون في مواقيت خاصة ,فقد يخرجون ليلا وينامون نهارا، ولا يفضلون العمل، فسرعان ما يغادرون وظيفتهم ويشتمون مدراءهم.

قد يسال البعض هل ان جميعهم من من فئة الاميين او ما يوصفون “بالجهلة”؟، نعم الاغلب من هذا الصنف، ولكن تجد فيهم العديد من المثقفين واصحاب الشهادات، من الذين يحسنون الكلام، وهؤلاء انضموا لهذه الفئة نتيجة ازمات اجتماعية ونفسية واقتصادية، فالفوا هذا العالم وذابوا فيه مع مرور الايام.

لما اكدت التقارير ان هذه الفئة غالبا ما تنشأ في الاحياء الفقيرة ومناطق العشوائيات، الفاقدة للاهتمام بالخدمات لذا عمدت الولايات المتحدة في الضغط على دول كثيرة الى منعها، من القيام باي مشاريع للاسكان والاعمار, ففي العراق مثلا تم الوقوف امام قانون (البنى التحتية)  في مجلس النواب  الذي من ضمن مشاريعه بناء ثلاثة ملايين وحدة سكنية عام 2008  !

في مصر حوالي 5 ملايين مواطن يعيشون وسط المقابر وهؤلاء كيف لهم ان يحصلوا على الخدمات وكيف لهم ان يلتحقوا بالمدارس وكيف ينظرون الى حياة الاخرين؟، خاصة وان الملايين منهم ولدوا وسط المقابر.؟

التقارير الامريكية تؤكد ان 90% من الجرائم التي ترتكب في الولايات المتحدة يقوم بها “الزنوج”، والسؤال: لماذا.. هل ولد الجنس الاسمر ليرتكب الجريمة؟، لا شك ان الاوضاع الصعبة، من فقر وسكن وتمييز عنصري، ولّد هذا السخط، وان كنا نشك في التقارير الامريكية، لانها ترغب ان تطعن في هذا النوع البشري، وكأن الذي القى القنبلة الذرية على هيروشيما ونكازاكي، كان زنجيا وليس ابيضا؟..

استطاعت الولايات المتحدة ان تعمل على هذه الفئة وان توفر لها غطاء اعلاميا، و النفاذ الى مناطق تواجدهم و تسخر لهم وقتا طويلا للحديث والتعريف بواقعهم والتركيز على ان “الحكومات” وراء ماساتهم، كما جرى لدينا في العراق.

ولما كانت هذه الماسي حقيقية، لذا تجد ان التعاطف معهم بات (واقع حال) دون ان نسال المحتل مثلا، من وراء هذه الماسي؟، ومن حطم البنى التحتية للمصانع والمعامل ومحطات الطاقة والمشاريع العلمية وغيرها؟.

في دول العربية اخرى، يصعب النفاذ الى هذه المناطق  بسبب (الادارات المركزية)فاستخدمت “السوشيال ميديا”، بعد ان سخرت لهم شخصيات محترفة للهبوط الى مستوى تفكيرهم  وتحريضهم ولما كانت هذه (الفئة) تميل الى  “المغامرة” لذا تقدمت احتجاجات  “ربيعنا العربي”، وما انتهت اليه هذه الدول من نهايات مأساوية سواء على مستوى الاحتراب الداخلي والصراع السياسي وعودة حكم العسكر، كما في مصر والسودان، فيما تعرضت الدول الاخرى الى التدمير مثل اليمن وسوريا والعراق وليبيا.

قيادات هذه الفئة يتم  أختيارهم من ذات البلدان ويتم (تصنيعهم )اما خلال وجودهم خارج البلد، اي اثناء (الهجرة)، او من خلال منظمات المجتمع المدني  التي تقيمها الولايات المتحدة في البلدان، وكما حصل معنا في العراق، حيث معظم الذين ظهروا في دورات “القيادة” للمنظمات الامريكية يتصدرون المتظاهرين مثل ما هم “الان” في مناصب حكومية ايضا…

ان كل ما حدث في العراق والبلدان العربية، ودول اوروبا وغيرها من حرق وقتل وتدمير وحتى الالتحاق بالمنظمات الارهابية هم من هذه “الفئة” وان نظرة بسيطة لما قام به “اصحاب البدلات الصفر” في فرنسا وهم يحرقون المتاجر والعجلات ويسرقون المصارف، واحدى الشرطيات تنادي عليهم بألم “لماذا تحرقون بلادكم؟”، يكفي ان يكون شاهدا وهؤلاء تستخدمهم الولايات المتحدة في اي بلد يخرج عن سياستها ويرفض املاءاتها، وقد حدث ذلك في لندن وغيرها ,ثم ان الذين خرجوا  من اصحاب البدلات الصفر في فرنسا وبهذا العدد الكبير ،ايضا كانت البداية من قرية صغيرة  في فرنسا  تحمل اسم (سين ومارن)بدعوى زيادة الضرائب واسعار الوقود عام 2018واستمروا بالحرق والتدمير  دون ان تكون لهم (قيادة محددة ) أو مجموعة رسمية للتفاهم معها ’ وهو وضع يشبه حالنا بالعراق حيث لم تجد من تفاوضه او تعرف مطالبه  ويبدو انه ضمن ( البرنامج) وكلفت الحكومة الفرنسية (4) مليارات !،ومثلما ارتقت مطالب اصحاب البدلات الصفر من المطالبة بخفض اسعار البنزين الى سقوط حكومة ماكرون ،كذلك في العراق من المطالبة بالقضاء على الفساد الى اسقاط حكومة عبد المهدي !!.

ولاشك ان سبب التظاهرات في فرنسا وتمددت الى  دول الاتحاد الاوربي هو تبني فرنسا والمانيا وبريطانيا لمشروع الية (انستكس) مع ايران والذي لايرضي امريكا .

المشكلة في اعلامنا اننا مازلنا نستهدف “الاسوياء” في اعلامنا دون الوصول الى “قاع المجتمع”، الذين باتوا يستقون معلوماتهم وتوجيهاتهم من منصات “اعلامية خاصة” سواء عبر وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية  أو عبر “السوشيال ميديا”، وحولوا سائق “التكتك” الى “ايقونة” و”الجريذي”، الى “بطل وطني”، ويتمدد هذا على نساء ورجال، حتى بات المشهد بالعراق -مثلا – وكأن هذه الشخصيات والعناوين تحكمه، بعد ان وفرت لهم الولايات المتحدة عبر الحرب الناعمة اعلاما داخليا ودوليا وصنعت لهم (حكومة ميتة) وشجعت عبر سفارتها كل البرامج التي تدعو الى النيل من القيم الاسلامية والقيم “الاجتماعية العامة”، وادانت لمرات في بيانات صريحة، كل من يعتدي على (المثليين)، واستمر عمل ” 410″ منظمة امريكية بعناوين مختلفة في العراق، وسمحت لخريجي دوراتهم باللقاء بالسفير والقنصل وغيرهم.

وخاصة من خريجي برنامج أيلب(لصناعة القادة في العراق)الذي تأسس منذ عام “٢٠٠٧” واشترك فيه اكثر من (١٢٠٠) طالب وطالبة ،وهؤلاء تمت لهم زيارات منظمة إلى الولايات المتحدة ايضا.

ما يهمنا الآن هو ان نتحرك وفق خطة محكمة اتجاه هذه “الفئة”التي باتت تشكل خطرا على مستقبل” المنطقة”والعالم أجمع ،وتستخدمها الولايات المتحدة في اسقاط الحكومات وادارة العالم وفق أهدافها ،وواحدة من أهم هذه الخطة المحكمة ان تكون لنا استراتيجية إعلامية عبر( التواصل الاجتماعي) وفي خطين الأول ،ان يكون رصد لمنصات التواصل،والثاني( الرد) عليها فيما لابد من منهجية عمل للدولة لمعالجة المشاكل والأزمات من أزمة السكن إلى الخدمات العامة،وعدم ترك هذه “الفئة “إلى خصومها،وهذا الأمر يحتاج إلى دراسة ممنهجة متكاملة،وعلى كافة الأصعدة ،لان ضرر هذه “الفئة “يتعدى التخريب والتدمير إلى قيادة البلد, كما يحصل

لدينا في العراق الان !! لايكفي ان نهزأ من هذه (الفئة) او ننال منهم , فهم حقيقة على الارض استخدمهم خصومنا وكانوا وما زالوا سببا في أزماتنا  السياسية والاقتصادية والاجتماعية , ورب سدٍّ بحجم سد مأرب  هدته الفئران , وجعلت اهله شططا, وارضهم يبابا .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى