“نوافذ مهشمة”
منى أحمد البريكي/ تونس
اااه! لو تدرين كم تألمت حين رأيت وجهك الجميل متسربلا بالدماء وأنت تئنين!، وسمعت صرخة أمي ،وهي تسقط على الإسفلت.. بعد أن طارت ذراعها في الهواء لتحط على الأرض متعفرة بالتراب. تلك اليد التي لطالما احتضنتنا ومسحت دموعنا وكانت مرهما لأوجاعنا..
ماذا جنينا يومها يا توأم روحي ،غير أن اختلطت دماؤنا وأشلاؤنا مع لحم الدجاج المتناثر حولنا!
كم هي موحشة هذه الغرفة الكئيبة من غيرك يا أمي!
وكم هي ضيقة اليوم، وقد افتقدت ضحكاتك وصخبك المحبب إلى قلبي يا شيماء!
محفظتك لا تزال بجانب طاولة “البلاستيك”التي كانت سفرة للأكل ومكتبا لمراجعة الدروس ليلا.
ميدعتك الزرقاء التي رقصت فرحا حين وجدتها جديدة في كيس الملابس هذا، المهمل بركنك المفضل، لا تزال معلقة كما تركتها بجانب النافذة ذات الزجاج الأصفر المكسور.
نافذتك الصغيرة التي كنت تنظرين من ورائها إلى الأفق الممتد،وأنت تحضنين بين جوانحك حلما بأن تصبحي يوما مهندسة مثلي.
مهندسة!يا لغرابة هذه الكلمة !
أنا يا أخيتي مهندس مع وقف التنفيذ.
لم يدر بخلدي، وأنا أجتهد وأتفوق من عام إلى آخر،أن شهادة تخرجي ستبقى رهينة إطار أهديتنيه يومها ليكون بروازا لثمرة تعب وتضحيات أمنا،التي انحنت قامتها الفارعة متنقلة بين الحقول والضيعات، تعمل بصبر، وتتجلل بوقار صمت أشد وطأة من فقرنا المدقع.
كانت تبتسم لنا فتشرق من وجهها شموس وهي لا تنفك عن القول :”سيعود أبوكما من فرنسا،وإن طالت غيبته وسأرتاح من كل هذا الشقاء.”
أبونا؟
أنا أتذكر ملامحه جيدا.. لقد غادرنا وأنت طفلة لم تكمل بعد عامها الأول.كان دائم التجهم، وكأنه يحمل على عاتقه كل هموم الدنيا.وقد اكتشفت الآن أنه فر من جحيم فقره، وأنه لم يهرب منا كما كنت أظن.
وأنا؟..ألم أهرب مثله!..
أنا فعلا كنت أهرع إلى معاقرة الخمرة احتجاجا على بطالتي ومعاناتي،ولولا إصرار أمي وتوسلاتها لبقيت ضائعا ومعذبا،ولكان مصيري بشعا.
ترى هل كان سيكون أبشع من الحادث المريع . الذي تعرضتما إليه ذلك الصباح، وأنتما محشورتان مع أكثر من أربعين عاملا وعاملة بصندوق سيارة فلاحية!
سيارة يجمعنا سائقها كل فجر،متراصين على متنها كسميكات علب السردين المعلب.
كان يوزعنا على الفلاحين عند مفترق مسارب ضيقة.
تماما كما يوزع ذلك السائق دجاجه على المطاعم ونقاط البيع.
عند ارتطام السيارة التي تقلنا بتلك السيارة الملعونة، رأيت نفسي ولأول مرة في حياتي ديكا منتوف الريش،مقصوص الأصابع،يطير في السماء بلا جناحين،لينتهي مهشم الضلوع على صخرة بجانب الطريق.
يومها كنا مجرد أرقام بسجلات الجرحى والموتى،
ولم يسعفنا القدر لنعود إلى بيتنا مبتسمين رغم التعب.
وأنا أستعيد مشهد موتكما ،لم أعد أشعر بالدم الساخن المتدفق من رأسي.فقد توقف نبض قلبي.



