ثقافية

“الصرخة” قصة خيال علمي عراقية تروي ما بعد كوارث الحروب

المراقب العراقي/القسم الثقافي…

يرى الناقد نجاح الجبيلي ان “الصرخة” هي قصة خيال علمي عراقية تروي ما بعد كوارث الحروب وتدور في أجواء عالم مستقبلي خال من التكنولوجيا أو بوجود بقاياها في أعقاب حدوث هذه الكوارث..

وقال الجبيلي في تصريح  لـ(المراقب العراقي): ان خيال ما بعد الكارثة صنف ثانوي متفرع من أدب الخيال العلمي، يهتم بنهاية الحضارة الإنسانية نتيجة كارثة وجودية فعالة، مثل حرب نووية أو وباء شامل، أو هجوم شديد، أو اصطدام كويكب بالأرض،أو اضطراب مناخي، أو ظاهرة خارقة، أو تغير مناخي ، ونضوب في المصادر، وانهيار إيكولوجي (بيئي) وغيرها من الكوارث الأخر ى ويدور هذا الصنف من القصص في أجواء عالم مستقبلي خال من التكنولوجيا، أو بوجود بقاياها في أعقاب حدوث هذه الكوارث وقد يكون الإطار الزمني مباشرة بعد حصول الكارثة، ويتركز على العذابات والمعاناة التي يتعرض لها الناجون ووصف سايكولوجيا بقائهم.

وتابع :ان هذا الصنف من القصص اكتسب شهرته بعد الحرب العالمية الثانية، حين أصبحت إمكانية تدمير الأرض بالأسلحة النووية ممكنة ودخولها الوعي الجمعي. غير أن لها تقليدا طويلا منذ القرن التاسع عشر، بل تنسب أحيانا إلى الكتب المقدسة وما ورد فيها من وصف لأهوال نهاية العالم.

واضاف ان”الصرخة” قصة قصيرة للقاص محمد خضير نشرت في مجموعته الثانية “في درجة 45 مئوي” يمكن أن تنتسب لهذا النوع من القصص حيث يشي استهلال القصة بحدث أصاب الكون فالمناخ العام للقصة وأحداثها وثيمتها تؤكد على أنها قصة تدور في عالم أصابته كارثة ما فالوقت بطيء (كأي وقت بطيء، تحجزه السحب والوحول…. -ص25) ، ، والشحوب غلف جوها ،و (سماء بلون الرماد) تمطر منذ 15 يوما (وكان الجميع قد انسحبوا إلى داخل الجدران-ص25).

يتوقف وصف جو الكارثة ليفسح المجال لما يمكن أن يكون “وقفة وصفية” وصف (المشهد البانورامي للسيرك) المرسوم على كل الواجهة اليسرى لصندوق سيارة النقل الكبيرة التي تستخدم حيوات وشخوص السيرك وحركاتها وأفعالها التي يجري استعراضها أمام جمهور (غائب). لماذا غاب الجمهور؟ ربما نتساءل. أليس ذلك دليل على أن حدثا ما قد تسبب في ذلك.

واشار الجبيلي الى وجود وقفة وصفية أخرى ومنها وصف للوحة “ساحرة الأفاعي” المرسومة على الجهة اليمنى من صندوق سيارة السيرك وهي للفنان الفرنسي الفطري هنري روسو وهنا يمكن تأويل حيوات اللوحات ومخلوقاتها التي يصفها الراوي كونها الوحيدة الباقية من أثر الفاجعة التي حلت بالمكان وكأن المؤلف يوحي بأنه حين تتحطم الأرض فإن الفن هو الذي يعوض الحياة ويصبح بديلاً لها كما ان القاص يصف من خلال ذراعي ماسحة السيارة “حدائق منخفضة .. تستقر فيها اراجيح جديدة ساكنة” و”المنازل ذات الطابق الواحد، التي تتعرى وتنقع تحت سيل مياه الأمطار” “ليشير إلى عالم ينحدر نحو الخراب بسبب كارثة مجهولة”.

واوضح :إن استخدام القاص لهذه التقنية السردية –الوقفة- لها مدلولها  إذ يشعر القارئ وكأن هناك انزياحا ينشأ عنه الشعور بخرق المسار السردي وهذه الوقفات الوصفية تختلف من حيث العدد في القصة الواحدة، إذ ينقطع سير الأحداث ليتوقف الراوي عند زاوية معينة فيصف مكاناً أو شخصاً ولا يمكن الادعاء إن هذه الوقفات الوصفية زائدة تشف عن قدرة بلاغية للراوي حسب. كلا فإن الأمر يتعدى ذلك إلى أهداف سردية يعمل الوصف فيها على إضاءة الحدث القادم بعد الوقفة.

تمرّ السيارة أثناء مسيرها بتمثال ضخم على النهر يقوم بمغادرة منصته وملاحقة السيارة بخطواته الواسعة محطماً في طريقه القوارب المهجورة لكنه يتحطم أثناء ذلك وتتآكل أعضاؤه وكأني به العملاق الذي يفزع منه الناس في لوحة غويا أو الوحش الخارج من البحر في رؤيا القديس يوحنا. (وهي قصة في الإنجيل عن أهوال نهاية العالم أيضاً).

وبين :ان القصة لا تلمح إلى طبيعة وأسباب الحدث الذي أدى إلى الكارثة مقاومة كل محاولة للقراء لتفسير ما حدث  وتبقى الكارثة غير معلومة وتشكل فجوة في القصة فالراوي في القصة كلي العلم يروي بصيغة الشخص الثالث و السرد وتشظيته بوساطة وصف اللوحات على الجانب الأيمن والأيسر لسيارة السرك مثل وصف القرود ووصف لوحة “ساحرة الأفاعي” لهنري روسو يؤكد على العواقب الممزقة والكارثة التي تشير إليها فهذه اللوحة تمثل الجانب الأخضر المزهر من الحياة المقابل للعالم الموحش المقفر الذي يهيمن على جو القصة وألوان اللوحة نفسها خضراء ويمكن تأويل”اللوحات” كونها إيقونة الحدث حسب مصطلح “جارلس ساندرز بيرس” إذ تظهر ميزاته إلى حدود الكارثة الغائبة.

وختم: ان السرد يتبع البناء نفسه من خلال التركيز على سيارة السيرك وسيرها بتوازٍ مع سير السرد حتى تحين لحظة الإقفال بنهاية (كودا) مفتوحة لم تقترح مفتاحاً لهذه الديستوبيا التي هيمنت على جو القصة مثل عبارات (ومازال المطر يهطل، رذاذاً منحرفاً، وتسيل قطراته على البراميل المنهارة، وعلى قطع الحديد).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى