الطائفية والعراق

ناصر جبار سلمان
لم يكن العراق مختلفا عن غيره من البلدان الإسلامية والعربية, من حيث أن النهج الطائفي في هذه البلدان, كالدستور البريطاني العرفي غير المكتوب, فالشيعة فيها رعايا الدرجة الثانية أو العاشرة, لا يحق لهم الحكم كحق طبيعي في بلدانهم, ولا حتى المشاركة المنصفة بمستوى يناسب حجومهم السكانية, وقد تناسبت القسوة بحقهم والسجن, والإعدام, والنفي,واسقاط الجنسية, بمستوى مطالباتهم بمعاملة منصفة وعادلة, وعلى مر التأريخ وفي مختلف الأماكن, ففي العراق تجلى ذلك في العصر الحديث على الأقل, بشكل موثق ومؤكد, مع انهم يشكلون أغلبية السكان, بنسبة تزيد على 60 % منه.
فعلى مدى أربعة قرون من الاحتلال العثماني الحنفي المذهب, أٌحيطت هذه الطائفة بخطوط حمر صارخة, فلا يحق لأبنائها دخول المؤسسة العسكرية مطلقاً, ولا كموظفين في دوائر الدولة إلا ما ندر, لكن مراجع الدين حكموا الضرورات الدينية, وما يستلزمه الموقف الشرعي فوقفوا إلى جانب هذه الدولة العثمانية الظالمة, لكونها إسلامية ولو بالعنوان, ضد الغزو البريطاني للعراق عام 1914م, في حين اصطف رجال الدين السنة والضباط خريجو الكليات العسكرية العثمانية مع البريطانيين ضد أولياء النعمة الأتراك, ومن الطبيعي اتفاق الانكليز وأعوانهم على ظلم الشيعة ظلما ممنهجاً طيلة الحقبة الملكية, التي توالى كبار اولئك الضباط على رئاسة الحكومات المتعاقبة, وكانت الحقبة الجمهورية أشد وأقسى, وحرص الشيعة على أن تكون علاقاتهم الاجتماعية مع الوسط السني طبيعية, برغم شعور الآخر بالأفضلية في إدارة شؤون الدولة كحق تأريخي, دونما استناد إلى شرع, ولا إلى قانون, ولا إلى قيم إنسانية حتى.
إن من يحاول أن يصور الأمور على غير حقيقتها على أساس قول الحق يراد به الباطل, ليعزف أصحاب الاغراض والامراض وذوو الافهام القاصرة على معزوفة سمجة, من أن الطائفية جاءت بعد السقوط من الخارج, والشيعة الذين جاءوا من المهجر الإيراني هم المتهمون في ذلك فذلك مجاف للحقيقة تماماً. إن صدام المقبور ومخابراته وإعلامه المضلل هو من أيقظ الشعور الطائفي في نفوس أبناء السنة, بتخويفهم مسبقاً من انتقام الشيعة منهم في حال اسقاطه, وحينما سقط وذهب إلى مزبلة التأريخ غير مأسوف عليه فلشديد الأسف لوحظ الانكفاء السني بإزاء الوضع الجديد الذي أفرز بشكل طبيعي حجم المشاركة الشيعية الغالب حسب معطيات الانساق الديمقراطية, مع ان المرجعية الدينية العليا وبحسب موقعها الروحي الكبير وابوتها الحقيقية للمجتمع بجميع مكوناته قد أصدرت فتاوى وتوجيهات واضحة تحرّم أية ردود فعل شيعية تجاه الآخرين, وأحالت الأمر إلى كلمة القضاء فأغلقت بذلك باباً لما لا يحمد عقباه, وكان على الآخرين أن يثمنوا هذه الخطوة بمزيد من التلاحم مع اخوتهم في الدين والوطن..!.
وكان استثمار المحيط العربي الطائفي لذلك فساهم بشكل فعال في تأجيج المشاعر الطائفية من خلال تصدير مجاميع الإرهاب, والتفخيخ, والقتل, لتكون المناطق السنية هي الحاضنة, ومنطلق الهجمات الانتقامية ضد المناطق الشيعية, ليذهب ضحيتها عشرات الآلاف من الأبرياء في أبشع الصور والأساليب.
وقد حرصت المرجعيات الشيعية, والمتنفذون سياسياً منهم على غض الطرف عن ذلك, والسعي الجاد إلى إشراك السنة في العملية السياسية بشكل يستحق التقدير, ولكن الفاصلة النفسية والشعورية المضادة, أبت إلا أن تبقى العلامة الفارقة في وجه الوحدة الوطنية.
وبعد الخيانة الكبرى والتآمر والتواطؤ التي تورط فيها ساسة وشيوخ عشائر وتشكيلات طائفية مسلحة فكان سقوط الموصل, ومدن كثيرة أخرى في المنطقة الغربية.. في حين لم تشهد تلك المناطق ردة فعل شعبية واضحة بمستوى مرارة هذه النكسة إلا قليلاً..
ومع ذلك وصف الإمام السيستاني الأخوة السنة بــ(انفسنا) وأصدر فتواه الشهيرة بــ (الجهاد الكفائي) لتحرير كامل التراب العراقي من دنس الدواعش الأوباش, فهبت الجماهير الشيعية إلى الدفاع عن المناطق السنية.. ورأينا كيف كانت التضحيات وكم هو حجم الانتصارات, كما رأينا كيف صودرت الجهود بهجمة إعلامية طائفية سوداء, تناغمت فيها ابواق عربية وأخرى محلية باطلاق سيل من الاتهامات الكاذبة, من احتلال إيراني, وشيعي للمناطق السنية, ولنا أن نسأل: نعم كان للإيرانيين والشيعة الفضل الكبير في تحرير آمرلي, وجرف النصر, وديالى, وصلاح الدين..
فهل بقى شخص واحد منهم في تلك المناطق بعد تحريرها وتسليمها إلى أهلها ؟. لقد علمتنا الأيام صحة مقولة “أن حبل الكذب قصير” وأثبتت وستثبت أن “لا يصح إلا الصحيح”.




