حاتم جعفر: (مياه متصحرة) عندما يكون الروائي منبهرا بتأريخ بلده

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يقول الناقد حاتم جعفر ان الروائي حازم كمال الدين في روايته (مياه متصحرة). يتناول في سرده أشكالا متعددة من المذاهب اﻷدبية، كان من أبرزها ذلك الذي أسميناه بـ(بعد الحداثة) أو هذا ما حاول إيصاله للقارئ، ومن غير أن يغفل بقية الفنون، وقد بان ذلك جليا من خلال بناء شخصياته وطبيعتها والحدود التي رسمها لها، كذلك في تفاعلها مع بعضها البعض، وفي تنقلات الكاتب التاريخية وما رافقها من أحداث وحوارات وأجواء، معتمدا على تنشيط وتحفيز خياله بدرجة واضحة وليذهب بها بعيدا الى عالم من الميتافيزيقيا، رغم تكرار بعض المشاهد والصور. بشكل عام نستطيع القول بأنه ربما توفق في الكثير منها وأخفق في أخرى وهذا يُعَدٌ من بداهة اﻷمور إذ يندر أن تجد عملا متكاملا. وإن كان لي من عتب أو مأخذ عليه فمحورها هذه النقطة تحديدا، إذ كان بإمكانه إختصار بعض اﻷحداث والمشاهد ومن غير ان تُحدث أي خلل أو تترك أثرا سلبيا على سياق نصه ووحدة بنائه.
وأضاف في ورقة نقدية تلقتها (المراقب العراقي) :إذا ما واصلنا قراءة النص وتناولنا جانبا آخر منه، فمن الحسنات التي ستسجل له، هي محاولة الكاتب أو لِنَقُلْ مراهنته على عقلية المتلقي، واﻷخذ بيده والإرتقاء به الى حيث يريد. وإستكمالا لهذه الملاحظة وإرتباطا بها، سيُفرَضْ علينا هنا سؤالا ولعلهه على غاية من اﻷهمية، الا وهو طبيعة العلاقة الجامعة والمفترضة بين طرفي العمل، أي بين الكاتب من جهة والمتلقي من جهة أخرى، والإشارة هنا لا تدور عن هذه الرواية حصرا وانما على عموم النصوص واﻷدبية منها على وجه الخصوص. فالمطلوب من المتلقي (وهنا سأفترضه قارئا إيجابيا ومتفاعلا) بذل المزيد من الجهد ليرتقي هو اﻵخر بمستوى العمل، خاصة إذا ما راق له، ليكون الطرف المكمِّل لمعادلة النص، فالطير لا يحلق بجناح واحد، وبالتالي عليهما التواصل معا ليصيغا نصا يليق بهما، حتى يبلغا ما يسعيان اليه وإن إختلفا بالوسيلة أو إن شئتم تسميتها باﻷداة.
وتابع :جمال بعض ما ورد من نصوص في رواية مياه متصحرة وحبكتها وهي كثيرة، قادتني ﻷن أنساق معها وأمضي حيث تشاء، على الرغم مما حاف رحلتها وسِفْرَها من مخاطر ومجازفات وآلام أيضا. وإذا كان لنا من قول أو سمّها ملاحظات فسنأتيها تباعا أو قد تتداخل فيما بينها، لكني سأحرص في ذات الوقت على التكثيف. وقد تجدني عزيزي القارئ متنقلا بين هذا الفصل وذاك، أو هذه الصفحة وتلك وبطريقة سعيتها أن تكون مترابطة ما إستطعت. فمثلا عن الصور أو المشاهد التي رسمها وصاغها الكاتب سأورد هنا مثالين متناقضين، متباعدين، كانا قد لفتا نظري وشدا إنتباهي، ففي اﻷولى وهنا الطرافة سيصور لك صاحب النص مشهدا جنائزيا، مستخدما ما يناسبه من مفردات، راسما أجوائه وشخوصه بدقة متناهية. وفي الثانية سينقلك الى مشهد بعيد جدا عن سابقه، بل لا يمت له بصلة وبأي شكل من اﻷشكال الا وهو مشهد البستان، حيث سيدخلك معه حتى تكاد تشم أريجه، وبكلمات تنسجم تماما والمناخ الذي ولجتماه معا (الكاتب والمتلقي)، عارفا دقائقه وتفاصيله، متمكن منه، متحكم فيه. إذن ففي الحالتين نجح حازم في توظيف رصيده وخزينه من اللغة العربية وثراء مفرداتها ووضعها في سياقها الطبيعي الصحيح، وبالتالي ستصل القارئ وهي بكامل الدلالة والغِنى والمعنى وكما أريدَ لها، وهذا سيسجل له وبما لا يدع مجالا للشك.
في روايته، ستجد الكاتب مستفيدا من تأريخ بلاده وعلى مختلف مراحله، إبتداءأ من الحضارات القديمة كسومر وأكد وجارته العزيزة على قلبه بابل، وليس إنتهاءا بالعصر الحديث. ملتقطا منه ما يشاء وبعين العارف وليوظفه بطريقة ذكية. وبذا سينبؤك حازم وبشكل غير مباشر ومن غير أن يضع هذا الهدف نصب عينيه على ما أعتقد، بأنه لم يمر بِسِفْر بلاده مرورا كريما فحسب، وانما ستجده قارئا جيدا له، شاعرا بنشوة جذوره وصلابتها. لذا وانسجاما مع ماذُكر فستجده متنقلا بين اﻷزمنة والمراحل التأريخية رغم تباعدها واختلافها عن بعضها بعضا، لينقلك ويتنقل بك وبرشاقة حيث يريد ومن غير أن يُشعركَ بذلك.



