اخر الأخبار

كتابة المعرفة وقراءة الآخر

علي حسن الفواز

 

الكتابة في المعرفة ورطة أنطولوجية، قد تتجاوز موجود اللغة والتاريخ، إلى مقاربة صدمةِ ما تستولده من أفكار وأسئلة ضدية، حيث تملك قدرة إزاحة قارئها من منطقة التلقي إلى منطقة الاشتباك معها، أو التعالي عليها، وأنْ تضع المعرفة أمام شكوكٍ وإشكاليات، قد تدخل في سرديات التاريخي والديني والسياسي، وهذا ما يجعل الكاتب المعرفي، أو مترجم المعرفة مهموما في لعبة البحث عن وجود افتراضي للحقيقة والجوهر، والفكرة الصالحة، والرؤية التي تفتح الأفق للتحاور والتواصل الآمن، أو للتفاعل القائم على أنسنة المنقول، بصيغه، وبما يملكه من طاقة لتسويغ المعرفة عبر الحكي أو اللعب، أو العرض.

فتحي المسكيني الكاتب المعرفي، والمترجم المعرفي يضعنا دائما في السياق الإشكالي لتوصيف المعرفة، عبر خطابها، وعبر أسئلتها وشكوكها وفرضياتها، حيث تصطنع لنا في كتاباته وترجماته، أفقا لمشاكلة ما يكتب، أو ما يُفكّر فيه، فهو مشغول بأسئلة معرفية ذي مرجعيات فلسفية كثيرة، وبرؤى تجعل من «الهمِّ» المعرفي همّا إنسانيا واجتماعيا وأنثروبولوجيا، ومجالا يمسّ الخاص بوصفه التخصصي، أو بوصفه مفتاحا لفك التباسات العمومي، حيث يكون قريبا من الشأن العام، بانشغالاته السياسية والثقافية والأكاديمية، رغم أن هذا الشأن ظل رهينا بالتاريخ والسلطة والملة والجماعة، في أحكامه وفي أطروحاته، وفي تفسيراته وتأويلاته، فهو يملك – في هذا الشأن- تاريخا معروفا قائما على الصراع، وعلى إشكالية العلاقة مع السلطة، وعلى مطرودية الإنسان فيها، سياسيا وتعليميا وفقهيا، التي جعلت من الدرس الفلسفي مجالا للشك، ومن الفيلسوف ممقوتا، ومنبوذا، بوصفه دارسا ومروجا لأفكار الشكِّ والجدال والسجال، والتحريض على الخروج عن الملّة، وهي قضايا تتشاكل بإسقاطاتها مع الطبيعة اليقينية للفكر العربي والإسلامي، ومع أنماط هيمناته ومركزياته وسردياته الكبرى.

حيوية الكتابة في المعرفة عند المسكيني لا تنفصل عن حيوية انشغالاته، بشجون أخرى، لاسيما ما يخصّ الفلسفة منها والفكر والخطاب الديني والسياسي، وما يخصّ اللغة ذاتها، أي عن الوسط اللغوي في علاقاته مع الفلسفة ومع الخطاب، ومع ما يقترحه الكاتب في درسه المعرفي من أفكار وإشارات، أو مع ما يثيره من أسئلة، لاسيما تلك التي تتعلق بالتراث، أو بالقرآن ومستويات قراءاته، أو بالهوية والجماعة والملّة والأمة، وطبيعة تمثلاتها في سياق التفكير الحداثي الذي يقترح مناهجه الغرب في فلسفاته ومناهجه.

المعرفة هنا تُحفز اللغة على تجديد أدواتها، فالنحو والصرف والبلاغة قد لا تكون مصدا كامل القوة والحصانة، مع بروز علم اللغة بمرجعياته عند سوسير وبيرس، وبقدر ما يملكه التأثير التمثيلي للمعرفة في هذا السياق، من فعل ومن توجيه، وهذا ما يُعطي للغة قيمتها المعرفية، بوصفها الأفق والمجال والمنظور، والبيت التفكيري بمعناه الهيدغري، وبالطريقة التي تجعله مسكونا بفكرة التمثيل الحر للأفكار، أو برغبة تحرير النص الترجمي، أو حتى تحرير النص التراثي والنص المعرفي/ الفلسفي من مركزيته التاريخية، أو من تاريخ تجريده، أو من عزلته النظرية إلى أفق مغاير، قد يدفعه للاستعمال وللتداول، وللتوظيف الاستعمالي القائم على صياغة مستوى جديد أو مفارق للفهم، أو للمقاربة، وهي قضايا تدخل في سياق تجديد آليات صناعة السؤال المعرفي، أو السؤال الوجودي الذي أعطاه هيدغر جرعة القصدية، عبر الاهتمام بالوجود من خلال الاهتمام بالموجود..

قراءة المسكيني في كتاباته وفي ترجماته، تؤسس لمنطق يتجوهر حول المواجهة، بما فيها المواجهة المعرفية التي تخصّ شجاعة تداول المفاهيم، والتفاعل معها نسقيا، وهي قضية فلسفية خالصة، حيث تستدعي وعيا يقوم على أنسنتها عبر تأنيس مفهومي المغايرة والاختلاف

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى