اراء

عين الأسد .. تتكلم عراقيًا .. (مشاهدات وانطباعات)

 

بقلم/ عبدالزهرة محمد الهنداوي

 

 

 

 

 

في الليل أعلنت الأنواء الجوية ، أن البلاد ستتعرض لموجة برد مصحوبة بكتلة هوائية باردة ، قادمة من الجهة الغربية ، وفي صباح اليوم التالي ، أقلعت الطائرة الـ(C130) ذات اللون الداكن ، التابعة للقوة الجوية العراقية ، متجهة غربا ، وعلى متنها مجموعة من الإعلاميين والصحفيين العراقيين ، لتحط رحالها هناك في جوف الصحراء ، عند قاعدة عين (الأسد) التي تمتد على مساحة تناهز  الـ(٦٠) كيلو مترا ، وتغفو بجوارها ، واحة  قضاء البغدادي بجمال نخيلها وفراتها الأخّاذ ، هبطت الطائرة واذا ما فُتحت بابها الخلفية العملاقة ، هاجمنا    تيار هوائي شديد البرودة ، لم تنفع معه كل دفاعاتنا الضعيفة !!، ولكن الذي شجعنا على المقاومة ، هو قوة وصمود مضيفينا الذين كانوا يقفون أمام بوابة الطائرة ، يتقدمهم قائد الفرقة السابعة في الجيش العراقي اللواء الركن رعد محمود عبد ، وعدد من الآمرين  والضباط ، في الفرقة ، منتظرين قدوم الاعلام العراقي إلى قاعدتهم العتيدة ، التي بُنيت وافتتحت في ثمانينيات القرن الماضي ، ولم يبنها ترامب الذي يطالب العراقيين بدفع تكاليف بنائها إذا طالبوا برحيل القوات الامريكية !! ..

توجهنا مع القائد إلى مقر الفرقة ، ومع القهوة العربية والشاي الساخن ، قدم  لنا القائد ، الكثير من التفاصيل المهمة المتعلقة بالقاعدة وما تضمه من تشكيلات عسكرية عراقية فعالة  ، ثم أخذنا إلى منضدة الرمل ،  ليوضح لنا جغرافية القاعدة ، وأماكن تواجد قوات التحالف الدولي ، التي لا تشغل من القاعدة سوى مساحة صغيرة ، لا تتجاوز الـ(١٠٪؜) من حجم المساحة الكلية ..

بدأت الصورة الذهنية لدينا  تتغير  ، شيئا فشيئا ، تلك الصورة التي رسمناها في أذهاننا لقاعدة  عين (الأسد) ، وفقاً لمسموعاتنا ومعلوماتنا التي جمعناها من الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ، والتي ركزت في ذهن المتلقي ان هذه القاعدة ، هي قاعدة أمريكية ، وان كان ثمة وجود عراقي فيها ، فهو وجود شكلي رمزي ليس الا !!! ، وكانت تلك الصورة تتعزز اكثر كلما شهدت القاعدة حدثا كبيرا ، من قبيل زيارة الرئيس ترامب وقبله آوباما اليها ، عند أعياد الميلاد ، وآخر تلك الأحداث ، ماتعرضت له مواقع قوات التحالف الدولي من قصف إيراني بصواريخ ارض – ارض بعيدة المدى في الثامن من كانون الثاني ، ردا على اغتيال القادة الشهداء أبي مهدي المهندس وقاسم سليماني من قبل الولايات المتحدة في محيط مطار بغداد الدولي ..

تجولنا في ارجاء القاعدة شرقا وغربا ، شمالا وجنوبا ، من دون ان ننسى قضاء البغدادي بسكانه الثلاثين الفا ، اذ تجولنا في ارجاء القضاء ، وشاهدنا مستوى الاستقرار الأمني والهدوء الذي ينعم به ابناء البغدادي  ..

وفي القاعدة أيضا ، كان لقاعدة الأسد الجوية حصة من الجولة ، وبين عدد من الطائرات المقاتلة الرابضة فيها ، حدثنا قائدها اللواء الركن الطيار رافد غازي الزبيدي ، عن تاريخ القاعدة وتأثيرها القتالي ، وسبب تسميتها ، قال ان اسمها ، قاعدة (الأسد) من دون (عين).. موجها عتبه للاعلام العراقي الذي مازال يستعمل اسم (سبايكر) الذي اطلقه الأمريكان على قاعدة الكلية الجوية في تكريت ..

لم تنته الجولة ، فمازال في قوس الوقت منزع ، وثمة مفصل هام جدا ، كان لابد من الوصول اليه والوقوف على حقيقته ، فكان لنا ما اردنا ، اذ رتب لنا الزملاء في خلية الاعلام الأمني وبدعم من قائد الفرقة السابعة ، عملية الدخول إلى مقر قوات التحالف الدولي ضد داعش بقيادة الولايات المتحدة ، الذي تعرض للقصف الإيراني ،  هناك ، شاهدنا ، آثار القصف ، وما خلفه من دمار لعدد من المنشآت ، والحفر العميقة التي احدثتها الصواريخ ، وواضح جدا ان الأمريكان ، “وضّبوا” المكان ورفعوا الأنقاض ، ولم يبقوا ما يعكس الحجم الحقيقي للدمار ، حتى الصبّات الكونكريتية استبدلوها بغيرها جديدة ، ولكن الموجودين معنا ، منهم ، تحدثوا عن حالة الهلع والرعب التي عمت المعسكر في تلك الليلة التي تساقطت فيها الصواريخ الإيرانية ، الا انهم نفوا سقوط قتلى ، ذلك لانهم  اتخذوا كل إجراءات الحماية ، بعد ان علموا بالضربة الإيرانية ، قبل موعدها بأربع ساعات تقريبا !!..

لبثنا في الموقع المقصوف ، اكثر من ساعة ، ثم غادرنا المكان بعدها ، مستكملين جولتنا في قاعدة عين الأسد ، مواجهين سياط البرد ، التي تمسكها تيارات الهواء المتصاعدة بشدة تلفح وجوهنا من دون رحمة .. ومع خيوط المساء الاولى هبطت الـ(C130) ذات اللون الداكن الموشحة بالعلم العراقي ، في قلب القاعدة ، لتقلنا عائدة بنا إلى العاصمة بغداد ، ودعنا مضيفينا ، وحلقت الطائرة محدثة هديرا عاليا ، كنا نتابع مشهد قاعدة عين (الأسد) من النوافذ الدائرية الصغيرة للطائرة ، ومع صعود حمرة الشمس المغربية ، بدا المشهد أكثر بهاءً ، وكأن كل شيء هناك كان يتكلم عراقيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى