صفحات من ثـورة العشـرين حاول الإنكليز إرهاب الثوار بالطائرات إلا أنهم وقعوا ميثاق المصيفي طالب بإستقلال العراق عن الإنكليز

1
ولما كان عصر السبت 13 شوال 1339 هـ ( 30 حزيران 1920 ) دخل الرميثة الابطال العشرة فقتلوا شرطيين من أفراد الشرطة الاربعة الذين كانوا في السراي ، واخرجوا ” شعلان ” من سجنه وهم يرددون هوساتهم الشعبية . . . فكانت تلك الرصاصة الاولى التي انطلقت في هذا اليوم ” الشرارة الاولى ” للثورة العراقية الكبرى .
وعندما انطلقت الرصاصة الاولى قال احد اصحاب ” شعلان أبو الجون ” يخاطب الارض التي عسكروا فيها وقد شبهها بالغادة الحسناء الجامعة لصفات الجمال :
اكلن لج يجامعة الحسن عيناج
فن كوكس اوديلي بعسكره يدناج
كون اهلج جفون ابطرب جيناج
( خل يمن كلبج يرعيعه)
وقال الشيخ شعلان ابو الجون عندما ضغط الهجوم على العارضيات :
بي خير او يجثر عسكر وريلات
اسواريه او بيادة وفوك طيارات
ابعزم الله او عزم حيدر ابو الحملات
( يتوزع وطروح انشيله )
جبهة لواء المنتفك . ( الناصرية سابقاً وذي قار حالياً) الثورة في قلعة سكر
عندما اندلعت الثورة في ” الرميثة ” و ” أبو صخير ” وغيرهما في قرى الفرات الاوسط حاول ” الكابتن كراوفورد ” حاكم قلعة سكر . السياسي ان يخفف من نشاط الوطنيين في القلعة ، فصمد له بعض المتحمسين واطلق النار عليه ، ولكنه نجا من الموت وطلب الى الحاكم الملكي العام ان يوافيه ببعض الطائرات لارهاب الاهلين ولكن الحاكم اوعز اليه بالسفر الى الناصرية وذلك لحراجة الوضع الذي تعانيه قوات الاحتلال وعندما غادر ” الكابتن كراوفورد ” قلعة سكر من منتصف ذي الحجة 1338 هـ ، عمد الاهلون الى دار الحكومة فاحتلوها ، والى الحرس المحلي ” الشبانة ” فجردوه من السلاح والى العلم البريطاني فأنزلوه ، واجتمع لفيف من الزعماء والرؤساء ، في جوار القلعة ، في موضع يسمى ” المصيفي ” ووقعوا هذا الميثاق : 1ـ المطالبة باستقلال العراق استقلالاً تاماً ناجزاً . 2- المحافظة على المؤسسات الحكومية المفيدة : كالمستشفيات ، والجسور ، وغيرها والانتفاع بها عند الحاجة . 3 ـ اتباع ما يأمر به العلماء المجتهدون . 4 ـ ان تتعهد كل قبيلة بمحافظة الطريق الذي يخترق حدودها ، وان تضمن ارواح المسافرين فيها واموالهم . 5 ـ تأليف هيئة محلية في كل بلد يحتله الثوار تكون مهمتها المحافظة على الامن والسهر على ارواح الاهلين . الثورة في الشطرة : كان من اسباب عدم نهوض العشائر في الشطرة بقسطها في الثورة تواطؤ الشيخ خيون العبيد مع الحاكم البريطاني وبطانته . ويقول ” برترام توماس ” حاكم الشطرة السياسي : انه لما تلقى الامر بمغادرة الشطرة اصطحب الشيخ خيون العبيد وسائر الشيوخ الموالين الى المطار ومعه قائد الشبانة وخاطبهم بانه سيعود اليهم بعد ان يستتب الامن والنظام ، وانه اودع منصبه الى الشيخ خيون . ويقول الجنرال هالدن ” ان الشيخ خيون لم يصغ لنداء الجهاد الذي اعلنه العلماء ضدنا ، واحتفظ بولائه لنا حتى الاخير ” . و ” ان جهود الشيخ المذكور كانت السبب الرئيس في عدم توسع الثورة وشمولها لمنطقة شط الحي ولكن وفي هذه المدة نفسها وصل من النجف ” الشيخ محمد نجل المجتهد الشيخ حبيب الله ” حاملاً راية خضراء لاستنهاض القبائل فجمع حوله لفيفاً من المسلمين التابعين لقبائل خفاجة آل ازيرج واهل الشطرة والقرى المجاورة وعسكر بهم في ” البطيخة وتبعهم جمهور كبير من ” البو سعيد” “بني زيد” فمكثوا مع الثوار زهاء اربعة اشهر يهاجمون : الناصرية بين الفينة والفينة دون نجاح . الثورة في سوق الشيوخ : لم يكد رؤساء سوق الشيوخ وزعماؤها يتلقون انباء الثورة في الرميثة واطرافها حتى اعلنوا خصومتهم للسلطة الحاكمة فاضطر معاون الحاكم السياسي فيها الى ترك القصبة ، والفرار الى الناصرية وقد اطلقت عليه النار ذات يوم وهو في زورقه البخاري فنجا من الموت باعجوبة ، وتسلم الثوار ادارة القصبة ، ورفعوا العلم العراقي بدل العلم البريطاني على المؤسسات الحكومية وكونوا حرساً محلياً لحفظ الامن على نحو ما فعلوه في قلعة سكر والشطرة ثم جردوا قوة وطنية تمثل سوق الشيوخ والقبائل المحيطة بها وعسكرت في جبهة الناصرية الشرقية لتشديد الحصار على الحامية البريطانية المتجمعة فيها من اطراف اللواء واستمرت في المناوشات معها طوال ايام الثورة على شدة القصف الجوي الذي كانت قد تعرضت اليه . بوادر فشل الثورة : لما انسحبت الحاميات البريطانية والممثلون السياسيون في قلعة سكر والشطرة وسوق الشيوخ الى الناصرية ، تجمعت حول الناصرية جموع غفيرة من بني سعيد وبني زيد وبني ركاب ولفيف من خفاجة والازيرج وحجام وغيرها ، فكانت هذه الجموع تغير على معسكرات الجيش البريطاني في بعض الليالي وتوقع فيها بعض الاضرار ، ولكن عند انتهاء الثورة في الفرات الاوسط ذابت جبهة المنتفك قبل ان يحدث اي التحام منظم بينها وبين قوات الاحتلال كما حدث في اواسط الفرات ، وعاد الثائرون الى منازلهم لمجرد ان ترامت اليه الاخبار بانصراف اخوانهم ، فاصدرت سلطات الاحتلال في بغداد البيان التالي : ” اشعر حاكم سياسي الناصرية في 17 تشرين الثاني ان الموقف في المنتفك اخذ بالتحسن وقد جاء الينا اربعة شيوخ من البو سعيد في الغراف . وقد كتب لنا موحان الخير الله يقول انه ينتظر ان يسود الامن في الطريق ليأتي الينا . وفاتحنا بالمفاوضة ثلاثة آخرون من كبار الشيوخ التي كانت قرب السكة والزعماء الآن في المدينة يتفاوضون مع الحكومة ” . ويقول ايرلند في كتابه ” وعندما ضغطت على امير ربيعة بدفع ما كان مستحقاً عليه من بقايا الضرائب في 1922 افاد بانه كان قد وعد من البريطانيين في سنة 1920 بان يعفى من الضرائب لقاء مساعدتهم في ايقاف انتشار نيران الثورة في وادي دجلة وهو وحده الذي حال دون نشوبها هناك . الهجوم البريطاني العام : يقول ” الجنرال هالدن ” قائد الجيوش البريطانية في العراق ، انه ابرق الى وزارة الحربية البريطانية في لندن ان تأذن له بسحب فرقة كاملة من الهند لاخماد الثورة التي شب اوارها في الفرات الاوسط . ولما انتهى شهر تموز اخذت القوات البريطانية تتوارد على العراق ، وانتقلت القيادة البريطانية في الوقت نفسه من ” كرند ” الى بغداد ؛ فتعزز موقف سلطات الاحتلال ، وكثر الاحتياطي لديها . اما الثوار ، فانهم كانوا قد صرفوا القسم الاعظم من نشاطهم وجهودهم حتى عتادهم خلال شهري تموز وآب سنة 1920 . ولما كان امد الثورة قد تجاوز خمسة الاشهر ، كان لزاماً ، والحالة هذه ان تهبط كميات من المؤن لديهم ، وان يتسرب الوهن الى قواتهم ، لا سيما ولم تأتهم امدادات ولا ذخائر ولا أموال لا من خارج العراق ولا من داخله . يضاف الى سبب رئيس وهو ان بعض شيوخ العشائر كانوا يهدفون الى انتهاز الفرصة للحصول على اكبر المغانم والاقطاعيات بممالاة سلطات الاحتلال والدفاع عنها احياناً ومنع انتشار الثورة الى مناطق اخرى وذلك بالوقوف في وجه الثوار ، وفعلاً فقد استفاد هؤلاء فوائد جمة وتوسعت رقع اقطاعياتهم وامتلأت خزائنهم باموال الخيانة والسحت الحرام . كما ان سلطات الاحتلال عمدت الى استعمال القصف الجوي بالطائرات واكتساح المناطق الثائرة بالمصفحات ، وفي وقت لم يكن بأيدي الثوار غير البنادق والمكاوير والسيوف والعزيمة الصادقة في القتال والايمان بشرعية ما يدافعون عنه .




