حسن النوّاب: ” ضحكة الكوكوبارا ” تفضح دموية حكم الطاغية صدام

المراقب العراقي/ القسم الثقافي …
تنطلق تجربة الشاعر والروائي العراقي حسن النوَّاب من ذكريات مريرة خاضها في العراق أثناء سنوات الحرب، قبل أن يهاجر بعيداً وتستقر به الحال في أستراليا، ويكتب رائعته «ضحكة الكوكوبارا»، التي حصدت جائزة الطيب صالح لعام 2019، ويفضح من خلالها دموية الطاغية صدام حسين منذ حقبة الثمانينيات وما تلاها من توابع، وهي الرواية التي ستصدر عن الجائزة قريباً.(المراقب العراقي) التقته وكان لها معه هذا الحوار:
* هاجرت من العراق إلى الأردن، ثم استقرت بك الحال في أستراليا قبل ١٨ عاماً.. هل انعكست هذه البيئات/ الثقافات المختلفة على تجربتك الإبداعية؟
أمضيتُ أكثر من عشر سنوات أتأمَّلُ الواقع الأسترالي بشتى صنوفه وغرابته، كنتُ في حينها أسعى إلى إتقان اللغة الإنكليزية، والتعرَّف عن كثب على الأبواب الخلفية من عوالم المشردين والصعاليك الذين تراهم في الحدائق والساحات العامة؛ ولم أتعجَّل التدوين، حتى اكتسبتُ معرفة شاملة بما يحيط بغربتي النازفة دمعاً على وطني، بعدها انطلقتُ بثقة لأقرأ نصوصي مع أدباء أستراليا، حيث نتجمَّع كل سبت في مقهى القمر، لكنني اكتشفتُ أنَّ تجربتي أقسى وأشدَّ التصاقاً بالألم منهم، وحدها الحروب التي خضتها بحاجة إلى سنوات إضافية حتى أفرغ من تدوينها، لذا لجأتُ إلى العزلة، منصرفاً طوال الوقت للكتابة، فلديَّ ذخيرة من الذكريات المريرة تملأُ منجماً من الورق.
* روايتك الفائزة بجائزة الطيب صالح “ضحكة الكوكوبارا”.. حدثنا عنها وعنوانها الغريب.. وكيف استفدت من خبراتك ومعاناتك السابقة في الحروب في كتابة هذا العمل؟
روايتي هي صرخة المُهاجِر بوجه بلادٍ اغتالتْ أحلامه البسيطة، ولم تنصف نزف دمه وهلعه على سواتر الحرب، وحكاية الألم والهوان والفجيعة من مواطن أعزل يفضح في فصولها دمويَّة الطاغية، ومن جاء بعده من اللصوص، لقد استعرتُ طائر الكوكوبارا الشهير في أستراليا عنوانا للرواية، فهذا الطائر يمتلك تغريدة غريبة تشبه ضحكة إنسان مضطهد، يطلقها عند الفجر ومع غروب الشمس، وعلى تغريدته الصادحة تستيقظ الناس وتنام أيضاً، كأنَّه إشارة سماوية تحمل كثيراً من الأسئلة والأسرار، لكنّ الغريب أنَّ الأدباء في أستراليا لم ينتبهوا إلى توظيف هذا الطائر العجيب في نصوصهم السردية، مع أنهم يسمعون تغريدته الساحرة في كل يوم مرتين، صحيح أنَّ هناك أشهر أغنية للأطفال في هذه القارَّة تحمل اسم طائر الكوكوبارا، وقد استخدم كتعويذة مقترحة في أولمبياد سيدني، لكنّ تركيبة هذا الطائر وضحكته الساخرة لم تدخل في أي متن سردي، رواية “ضحكة الكوكوبارا” لغز موجع ومثير ومبهم يرغم القارئ على مواصلة قراءة صفحات الرواية حتى آخر سطر.
* ما منطلقاتك العامة في الكتابة… بمعنى آخر ما الذي يستفزك لتكتب عنه؟
– الظلم والألم واليأس ثلاثية تستفزني بالكتابة دائما، حتى ظلم نفسي لنفسي، ولولا الظلم المهيمن على البشرية المعدمة، لما قرأنا نصوصاً مذهلة لدوستويفسكي وغوركي وعبدالرحمن منيف، وحتى آخر كاتب ظهر على الساحة الأدبية، وحدها الآلام الفظيعة تصنع كاتباً عظيماً.
* ثمة انتقادات كثيرة للنقد الذي لم يعد مواكباً لحركة الإبداع عربياً… هل تتفق مع وجهة النظر تلك؟
– المبدعون الأصلاء ليسوا بحاجة إلى تزكية نصوصهم من الآخرين، بما في ذلك النقَّاد، وكل كاتب يعوّل على النقد أرتابُ من موهبته، النصوص الإبداعية أشبه بالأنهار التي تصل إلى أبعد قرية بهدوء ومن دون ضجيج وافتعال.
* ماذا عن مشاريعك الأدبية حالياً؟
– ليست عندي مشاريع أدبية في الكتابة، جميع النصوص التي كتبتها هي صفعات متتالية إلى شبح الموت الذي يلاحقني كأنفاسي، ولذا تجدني أكتب المقال والقصيدة والرواية والتحقيق الصحافي والمسرحية. في الواقع كل تدويناتي تحدث تحت هاجس غريب ونداء غامض ولذيذ يدعوني إلى ترك سريري والجلوس أمام الحاسوب، ولذا لا وقت ولا مكان محدَّد عندي للكتابة، أحياناً أكتب في حديقة أو في حافلة أو في طائرة ، وحتى وسط ضجيج عائلتي بوسعي التدوين، عندما أبدأ في الكتابة ليس ثمة مانع يقف أمامي، كأني بركان ينفجر بغتةً بوقت غير معلوم.



