اراء

إيران ومشروع (المقاومة المشتركة) ضد أمريكا

 

محمود الهاشمي

بات الباب مفتوحاً أمام تطور العلاقة بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، بعد تأريخ من الخلافات المتعددة الجوانب، والتي كانت “الايدلوجيا” المتوارثة عن الاتحاد السوفيتي السابق أحد أسبابها، فيما حلت “البراغماتية” في عهد بوتين لتحرك عجلة الاقتصاد وفقاً للمصالح المشتركة وبما يؤمّن مستقبلاً أكثر استقراراً للطرفين …فأوروبا بحاجة الى الغاز والنفط الروسي وروسيا بحاجة الى أسواق أوروبا.

وفرت “الظروف” الدولية الجديدة، وخاصة السياسية الامريكية في عهد ترامب مساحة اكبر للتفاهم بين اوروبا وروسيا، حيث بات ترامب يرى في اوروبا “قارة عجوزاً” لذا اعتبر ان “حلف الناتو” بات “قديماً” وطالب بالمزيد من الاموال من اجل الحماية، فيما انسحب من اتفاقية المناخ ومن “الاتفاق النووي” مع ايران، كما ان سعة العقوبات على ايران والصين وتركيا واوروبا ودول اخرى في العالم من قبل امريكا جعلت الاقتصاد الاوروبي يتاثر كثيراً، خاصة وان تلك “العقوبات” تصب لمصلحة امريكا في الضغط على خصومها فيما يقع الضرر على دول اوروبا!.

استطاعت روسيا ان تستفيد من “الصراع” بين امريكا والصين، وان تكون في منطقة “التوازن” بحيث تحتاجها كل الاطراف لضمان مصالحها، فهي قوة اقتصادية كبيرة مثلما هي قوة عسكرية، وموقع استراتيجي يربط اوروبا بآسيا.

اوروبا من جهتها ادركت انها اذا ما بقيت خاضعة للوصاية الامريكية فانها ستخسر الكثير في ظل تراجع اقتصادها ومكانتها الدولية، لكنها في ذات الوقت لاتريد ان تذهب بعيداً في الافلات  من العمق الامريكي لانها ستكون “ضعيفة” امام التحديات الدولية بما في ذلك في وجه الصين وروسيا ، لكن اوروبا وجدت نفسها في موقع “الحرج” امام مصيرها، فانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع ايران سبب لها صداعاً ، بعد ان كانت تامل المزيد من الاستثمارات في ايران وخاصة في قطاع النفط ’ثم ان امريكا تجاهلت تماماً ان تستشير اوروبا في الانسحاب مما افقدها مكانتها اولاً وحجم الاستفادة الاقتصادية ثانياً، وفوق ذلك شعرت ان كل ما تقدمه الى امريكا لايعني شيئاً، فقد شملتها بالعقوبات بخصوص الالمنيوم والحديد والصلب.

الرئيس الفرنسي ماكرون خلال لقائه  بالرئيس الروسي بوتن في سانت بطرسبورغ قال: “ندرك تماماً اننا سمحنا لبعض نقاط سوء الفهم بالتاثير على علاقتنا المتبادلة” ويقصد بسوء الفهم قضية ” اوكرانيا وسوريا وتركيا وايران “، واعتقد انه آن الاوان لرفع “نقاط سوء الفهم” هذه.

 من جهتها فان المانيا ترى في التقارب مع روسيا منهجاً للوقوف امام الهيمنة الامريكية على القرار الاوروبي ، فكانت اللقاءات الاخيرة للمستشارة الالمانية والتصريحات التي اعقبتها لها مدلولات كبيرة في تغيير المواقف.

لم يكن التحرك الفرنسي الالماني باتجاه روسيا، بالمفاجأة حيث سبقته اجراءات كثيرة، حيث لم تنخرط اوروبا في جميع دعوات امريكا في قضايا الشرق الاوسط، فلم تدفع بمزيد من قواتها في العراق وحصرته في شؤون التدريب ولا بالتواجد في سوريا، فيما لم تتفاعل مع الدعوات التي اطلقتها بالحضور لمؤتمر (وارسو) او الدعوة الى (حماية الملاحة في الخليج والبحر العربي) ، ولم تنقل سفاراتها الى القدس، الا في حدود الموقف البريطاني الذي بدا شاذاً ومرتبكاً في قضية الملاحة ..

بدأت “المقاومة المشتركة”  ضد امريكا تتجلى صورها من دول مثل روسيا، الصين، ايران، المانيا ، تركيا، فرنسا” ناهيك عن دول موالية لها اقل تاثيراً مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها، وهذه الدول تقريبا جمعتها شؤون متقاربة اهمها “السياسة الامريكية تجاه العالم.”

هذه “المقاومة المشتركة” ممكن ان تشجع دولاً اخرى ان تنخرط بها، خاصة وان دولاً كثيرة باتت ترى في امريكا مجرد حامية لمصالحها دون النظر الى مصالح الدول الاخرى، كما بدأت تتحسس ان امريكا في طريقها الى “الضعف” والا ما الذي يدفع دولة “اليابان” ان تكون اول دولة ترفض دعوة امريكا لحلف حماية الملاحة في الخليج وبحر عمان وانها الدولة الاكثر تضرراً من العقوبات الامريكية على ايرانّ؟

ما لدى روسيا من اوراق لمقاومة السياسة الامريكية، لدى دول مثل ايران، التي تمتلك تجربة سياسية متماسكة ومؤثرة في الداخل، وعمقاً استراتيجياً في المنطقة، وقد استطاعت ان تسقط الكثير من الهيمنة الامريكية، وفي اسقاط الطائرة المسيَّرة، والتحكم بملاحة الخليج ودعم محاور المقاومة، وعدم الرضوخ الى الاملاءات الامريكية في التفاوض والتنازل عن ثوابت الاتفاق النووي وتحمل وزر العقوبات الصارمة عليها..

الولايات المتحدة من جهتها ترى  في التقارب الاوروبي الروسي مشروعاً يهدد مستقبلها، لكنها في ذات الوقت لاتستطيع ان تصعد من الموقف مع روسيا لانها ستدفع بها الى الصين والى ايران وفنزويلا اكثر، كما ترى فيها شريكاً “عاقلاً “في منطقة الشرق الاوسط خاصة بالتعامل مع الملف السوري والاسرائيلي والايراني والاوكراني، في ذات الوقت باتت امريكا لاتستطيع ان تقنع اوروبا ان روسيا عدوها مثلما كان ذلك في عهد “الشيوعية”.والاتحاد السوفيتي!

ما نخلص له من الممكن أن يتحول الى سؤال:-هل كان لايران الدور المهم في صناعة هذه (المقاومة المشتركة) ضد أمريكا ؟

 هذه السؤال تجيب عنه الوقائع ’ حيث إن ايران تحملت عبء عقوبات امريكية امتدت على مدى اربعين سنة ومع عمر ثورتها , وتحملت التفرد الاميركي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ’ حيث انهارت أغلب الدول  التي كانت في ركب الشيوعية ومنها (اوروبا الشرقية) وتناهبتها الحروب الداخلية !! كما تحملت وزر حرب الثمانية اعوام مع العراق لاستنزاف قوتها العسكرية والاقتصادية !

والسؤال الآخر :- لماذا لم توافق ايران على التفاوض مع الولايات المتحدة مع انها دعتها للتفاوض دون شروط  مسبقة؟

إن مجرد رفض التفاوض مع الولايات المتحدة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها البلد , يعد انتصارا لارادة امة مثلما هي مراهنة على الزمن الذي تدرك فيه أن الولايات المتحدة في طريقها الى (الانهيار)

 

 وان اسرائيل في طريقها الى (الزوال) كما جاء في خطاب السيد الخامنئي امام مجموعة من الشباب الايرانيين , وتكون ايران بهذا قد منحت دولا مثل روسيا واوروبا فرصة للبحث عن ساعة للخلاص من الهيمنة الاميركية والتفكير بمشروع قطب جديد .

وما يضاف الى ما اسلفناه ان امريكا فشلت ان تدخل في حرب مباشرة مع ايران , وقد تجلى عنوان فشلها بسقوظ الطائرة المسيرة وبحرب الناقلات ,وبالانتصارات التي تحققت من قبل الدول الداعمة لها في العراق وسوريا ولبنا ن وفلسطين .

إذن فان مشروع (المقاومة المشتركة) كانت ومازالت ايران وراء صناعته, والذي بدأت ملامحه في التفاهمات الجديدة بين روسيا وفرنسا والمانيا  وتركيا مثلما هو قائم من قبل في دول مثل الصين  والهند وكوريا الشمالية وفنزويلا وكوبا وفيتنام .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى