ثقافية

الإفصاح السردي والتمثّل الافتراضي في “بيت جني”

المراقب العراقي/ متابعة…

 أفرزت قراءتنا للمجموعة القصصية القصيرة (( بيت جني )) للروائي والقاص حميد الربيعي الصادرة عن دار(أمل الجديدة) المتكونة من أربع عشرة قصة وجود متلازمة ( الواقعي / الافتراضي ) في اغلب قصص المجموعة ، ويبدو أن الربيعي كان واعياً تماماً لبنائية هذه المتلازمة ومحاولاً جعلها القاسم المشترك لقصص المجموعة التي انتهت بقصة ( في البدء) لتكون ( قصة القصص) ، إذ كانت شخوصها هن الشخصيات المركزية للقصص السابقة لهذه القصة وسنؤجل الحديث عن هذه القصة فيما بعد تناول وتحليل قصص المجموعة التي وضع لها عتبة أساسية تضيء قراءتنا وهي (كلما توغلت في العمق ، تكتشف بهاءها وروعتها وفتنتها ) مذيلاً هذا القول بـ ( السارد ) وتكشف هذه العتبة رؤية السارد كلي العلم – المؤلف – الداخلية لمجريات السرد ، أي أن ( السارد) هنا ينوي بل ويتعمد الدخول الى عمق المجريات الواقعية ويسعى الى التوغل داخل الظاهرة (جوانيتها) ليكتشف البهاء والافتنان والدهشة ، ولعل هذه الجملة في العتبة الأولى للمجموعة ستهيّء ذهن المتلقي الى أن القصص ستتجه الى رصد ما وراء الأحداث التي تتضمنها بغية الوصول الى الدهشة في هذه ( الماورائية) لتبتعد عن التسجيل الوثائقي الصرف للواقع ومكوناته.

ووفق هذا التصور ستكون مقاربتنا التي تمكنت من رصد لحضور الواقع العراقي بتفاصيله المعروفة والأحداث المحركة لهذا الواقع فضلاً عن الأسماء الواردة / أمكنة / شخصيات / أحداث راكزة في الذاكرة الجمعية بل ومعاشة من قبل المتلقي ، واعتماد هذا الحضور للواقع من قبل المؤلف كخلفية لتمثل سردي افتراضي يتقاطع بنائياً مع الإفصاح ووضوح مصادر الواقع ، إلا انه يشكل رؤية داخلية (ماورائية) له ، وبمعنى أخر فإن الإفتراض امتلك صفة التبعيد (التغريب) لتكريس الدهشة والرؤية الجوانية معاً في حين ان بنائية الحضور الواقعي تمسك بالمتلقي ليبقى في ارض الواقع فيما يبعده التمثل الافتراضي الغرائبي الى باطن الواقع.

لقد استثمر القاص بنية الخراب في تفاصيل الواقع ألمعاشي المجسد في تهديم البيوت وهجرة أصحابها والشوارع المغلقة لاحترازات أمنية خوفاً من السيارات المفخخة والعبوات الناسفة قد جعل الشخصية تؤكد ظنها الأول في أن المدن تشيخ ثم انتقال بنية( الشيخوخة) وترحيلها الى الفرد العراقي الذي تمثل في الأحجام عن شراء الملابس الزاهية والاكتفاء بألبسة (البالات ) القديمة وفي الوقت الذي شكل القسم الأول للنص الحضور الواقعي للأسماء والحوادث فأن القسم الثاني الافتراضي الذي تضمن تخليق الشخصية والحدث ليكون انعكاساً لما يجري في الواقع من انتهاكات إنسانية ووجودية .. إذ أن النص الافتراضي في قسمه الثاني كان هدفاً للقاص وهو ما حقق فنية النص القصصي بعيداً عن التسجيل والتوثيق الصرف لحركة الواقع ومعطياته عبر استخدام الفصاحة السردية والانطلاق من الواقع الراكز في ذاكرة المتلقي ليصل الى طرح نص افتراضي يحمل في ثناياه أثراً للحراك الواقعي ، وبمعنى آخر فأن المجريات الواقعية كانت خلفية تتحرك عليها ومنها تفاصيل التمثيل السردي الافتراضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى