ثقافية

الحرب والموت والتَّراجيديا في ديوان “سماء واسعة لفرح مُرّ”

المراقب العراقي/ متابعة…

يُمثِّل ديوان “سماء واسعة لفرح مُرّ” للشّاعر محمَّد طه العُثمان، الصّادر عن دار موزاييك للدِّراسات والنَّشر في إسطنبول في العام 2019، تجربةً يُمكنُ إدراجُها ضمن تجارب الشِّعر السُّوريّ الجديد في زمن الحرب، وتسعى هذه المُقارَبة إلى قراءة الجوانب المُتعلِّقة بكيفيات بسط أساليب وجود الحرب والموت والتَّراجيديا في عوالم هذا الدّيوان، وطرائق هذه الأساليب في بناء المُستوى الدَّلاليّ في القصائد بما هيَ (أي هذه الأساليب) عناصر مُهيمِنة يساهمُ رسم مَعالِمِها في فهم أوَّليّ للبنية الفنيّة في هذا الدّيوان من ناحية أولى، ويرفد من ناحية ثانية جهد العمَل في إنجاز قراءة منهجيّة للمُنتَج الشِّعريّ السُّوريّ في هذه الحقبة.

أوَّلاً: عالَم الحرب بينَ الرُّؤى السَّوداء، والدَّلالة المفتوحة

قالَ محمَّد طه العثمان: “حينَ تغفو البلادُ على موتنا/ فاعلموا/ أنَّني خطْتُ من زيفِ تحنانكُم هذه المسرحيّة…” (ص9).

يُؤسِّسُ الشّاعر عالَم الحرب في ديوانِهِ انطلاقاً من إغراقِهِ في الرُّؤى السَّوداء، ففي هذا الشّاهد تنهضُ مسافة التَّوتُّر من التَّناقض بينَ (النَّوم) الذي يعني الاسترخاء والرّاحة، و(الموت) الذي يرمز إلى الألم وهواجس القلق، حيثُ يلتقي هذان القطبان في بُؤرة (البلاد) التي يكونُ (نومُها) قائماً على (الموت/ موتنا): نحنُ أهل هذا الوطن المكلومينَ؛ لذلك، يخيطُ الشّاعرُ (من الزّيف) مسرحيَّةً؛ فالزَّيف والمسرحيّة هما أسّ الرُّؤى السَّوداء في القصيدة، ثُمَّ هما أسّ الرُّؤى السَّوداء في الواقع الحربي القاسي بطبيعة الحال.

لكنَّ المسرحيَّةَ تعني فيما تعنيه أنَّها حمّالةُ أوجه، وأنَّ المجاز كثيفٌ فيها، وأنَّ الدَّلالةَ لا تستقرُّ على مَعنىً واحد. قالَ الشّاعر في مطلع قصيدتِهِ “هامش على الهامش”: “هذه الحربُ ولودةٌ كروحكِ…/ ومتأهّبة كحِصَان./ تَعْشقُ الحَياةَ… فلا تكفُّ عنِ الموتِ.” (ص17).

إنَّ هذه الحرب على الرّغم من آلامها العارمة ذات أوجه متعدِّدة، ففيها الحُبّ: “ولودةٌ كروحكِ”، وفيها الانطلاق/ الانغماس في العالَم: “متأهّبة كحصان”، وفيها اللَّعب الحُرّ لأساليب الوجود: “تَعشقُ الحياة… فلا تكفُّ عن الموتِ”. حيثُ يُؤدِّي التَّضادّ الظّاهريّ بينَ الحياة والموت هُنا إلى تخليق حقل مجازيّ يتجاوز منطق الثُّنائيّات نحْو تعدُّدٍ دلاليّ مفتوح المعاني والتَّأويلات؛ فقد يرى البعض أنَّ الشّاعر يُريد أن يتخلَّص من واقع الحرب المُؤلم، لكنّهُ يعجز عن ذلكَ، فيستسلم للموت، وقد يرى البعض الآخَر أنَّهُ يتهكَّم من الحياة المقتولة في زمن الحرب، أو أنَّهُ يُواجه الموت بالتَّمسُّك بالحياة عبرَ مُعادل وجوديّ. قالَ الشّاعر في ختام قصيدتِهِ “هامش على الهامش”: “قارورةُ العطر الدّاكنةِ من جسدِ الحبيبةِ المشظّي…/ أغنيةُ الطّفلةِ الصّغيرةِ عن السَّلامِ./ تراتيلُ الجُنْدِ عن الخلاصِ./ أرَقُ المدافعِ؛ وصُداعِها حتّى الحمّى./ كُلَّها تعشَقُ الحياةَ فلا تكفُّ عن الموت.” (ص18).

لا يكفُّ الشّاعر عن تفخيخ الدَّلالة، إذا صحَّ التَّعبير، ولا تكفُّ الدَّلالةُ عن التَّشظِّي بتشظِّي الوجود السَّوداويّ، فأساليب وجود الحرب تبسط سُلطانَها على النَّصّ هُنا، واللَّعب الحُرّ بينَ المعاني يتركُ المُتلقِّي حائِراً بينَ خيارات عدّة، أهمُّها نمطٌ من التَّهكُّم الحداثيّ الذي يُغلِّفُ الرُّؤى السَّوداء، ويُؤسِّسُ لمَا أصطلِحُ عليه بـِ(ليبيدو الحرب)، بوصفِهِ قُوَّة مُمانَعة ضدَّ سَطوة الحرب وخرابها. قالَ الشّاعر: “في سماواتي التي بتُّ أسمّي البلادَ/ باسمِها؛/ حينَ تسقطُ حمامةٌ من السِّربِ/ تكونُ قد قتلتْ رصاصة…” (ص38).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى