اخر الأخبار

من التاريخ العربي من يقف وراء حصار قصر عابدين ومهاجمة الملك فواد ؟

عخعهخعه

1

عند نشوب الحرب العالمية الثانية فى 3 أيلول 39 كان الجيش المصري الأخرى.وكان الشعور الوطني قد بدأ ينمو فى الجيش ويشتد عوده, غذ أن نصف عدد ضباط الجيش وقتئذ كان من الملازمين الشبان من أبناء الطبقة الوسطى الذين تم التحاقهم بأعداد كبيرة بالكلية الحربية عقب إبرام معاهدة 1936 , بعد أن زالت الحواجز القديمة التي كانت تقصر الالتحاق بالكلية على أبناء الضباط وأبناء الأسر الثرية المعروفة بولائها للإنجليز وقد تخرج معظم هؤلاء الطلاب ضباطا خلال عامي 38 و 39 , إذ أن مشروعات تطوير الجيش وتحديثه عقب إبرام المعاهدة أدت إلى مضاعفة حجم الجيش في أقل من ثلاث سنوات, ما أدى إلى تخرج دفع متلاحقة في الكلية الحربية لسد النقص الشديد في صفوف الضباط, وقد صادف نشوب الحرب العالمية الثانية تعيين على ماهر رئيس الوزراء للفريق عزيز المصري رئيسا لأركان حرب الجيش.
وكان لهذا التعيين أثر كبير فى رفع الروح المعنوية للضباط, فلقد أحسوا أن على رأس الجيش قائدا من طراز يختلف كلية عن طراز القادة الآخرين من باشوات الجيش الذين تربوا على أيدي المفتش العام البريطاني سفنكس باشا, فاعتادوا التزلف والانحناء للملك وتقبيل يده عند لقاءاته بهم, وتعزدوا على الطاعة والخنوع لقادتهم الإنجليز, وخلت عقولهم من أية ثقافة عامة أو فكر عسكري متقدم إلى الحد الذي جعل الجنرال كورنوول رئيس أول بعثة عسكرية بريطانية يصف معلوماتهم بأنها من أنتيكات القرون الوسطى.
وقد اشترك العديد من العوامل في تكوين شخصية عزيز المصري وإبرازها بهذه الصورة القيادية الفذة التي اجتذبت إليه المشاعر الضباط خاصة الشبان منهم فلقد كان للرجل تاريخ مشرف في الكفاح ضد الإستعمار الإيطالي فى ليبيا عام 1911 , وعلاوة على ثقافته العسكرية كضابط سابق في الجيش التركي ودراسته في كلية أركان الحرب التركية على ايدي العسكريين الألمان, فقد كانت له قراءاته العديدة في كتب الإستراتيجية وفن الحرب التي جعلت منه مفكرا عسكريا قديرا, وكان أمرا محتوما أن يحدث صدام بين عزيز المصري الشديد العداء للاحتلال البريطاني والشديد الإعجاب بالعسكرية الألمانية. وبين رئيس البعثة العسكرية البريطانية وأعضائها الذين كانت سياستهم المرسومة هي عرقلة التطور الحقيقي للجيش تأمينا للإحتلال البريطاني, وعندما أدركت السلطات البريطانية في مصر مدى خطورة عزيز المصري على نفوذهم بالجيش المصري وعلى مصالحهم الاستعمارية ركزوا ضغطهم على رئيس الوزراء علي ماهر حتى أرغموه أخيرا على تنحيته عن منصبه ليخلفه الفريق إبراهيم عطا الله احد ياوران الملك فاروق , وكان البون شاسعا بين الرجلين, فبينما عزيز المصري لا يهتم إلا بإرضاء ضميره والعمل على ما فيه النهوض الحقيقي بالجيش دون التفات للمظاهر, وكان عطا الله لا يهتم إلا بإظهار الولاء للملك والعمل على مرضاة الإنجليز والاهتمام بالمظاهر والشكليات, وقفا لما تعلمه خلال خدمته الطويلة تحت سيطرة قادته البريطانيين, وكانت مشاعر معظم ضباط الجيش في تلك الآونة خاصة الشبان منهم تميل في واقع الأمر نحو الألمان لا حبا فيهم وكلن كراهية للإنجليز الذين يختلون بلادهم منذ حوالي 60 عاما, والذين أدت الحرب العالمية إلى أن يحشدوا في مصر عشرات الألوف من قوات الأمبراطورية من شتى أجناس ألأرض ليقاسموا شعب مصر رزقه, وليعثيوا فسادا في شوارع العاصمة والمدن الرئيسة, حتى كانت الشوارع تكاد تخلو من المارة عند الغروب خشية تعرض الأهالى لاعتداءات جنودهم السكارى ونزواتهم الطائشة, ووفقا للقول المأثور بأن عدو عدوي هو صديقي كان الكثيرون يرحبون بدخول الألمان مصر لطرد الإنجليز تحت تأثير وهم ساذج بأن دخول الألمان سوف يحرر مصر من نير الإستعمار دون أن يدركوا الحقيقة المرة, وهي أن دخول القوات الألمانية النازية مصر لم يكن يعني سوى استبدال احتلال باحتلال آخر ربما كان أثقل وطأة وأشد وبالا وأكثر إذلالا.
وعندما وقع حادث 4 شباط 42 كانت وحدات الجيش المصر موزعة ومشتتة فى أرجاء شتى من البلاد وفقا للواجبات الملقاة على عاتقها حسب الخطة البريطانية الموضوعة للدفاع عن مصر , والتي كانت تجعل من مسؤولية الجيش المصري الدفاع المضاد للطائرات وتأمين الملاحة في قناة السويس وحراسة المنشآت والمرافق الحيوية ومعاونة القوات البريطانية في الصحراء الغربية, وكانت معسكرات الجيش المصري الرئيسة تقع في أربع مناطق بالقاهرة هي :
ألماظة ومنشية البكري وكوبري القبة والمعادي التي ترابط في ثلاثة معسكرات كبرى بالعاصمة كانت أصلا معسكرات مصرية, ولكن الجيش البريطاني استولى عليها بعد دخوله القاهرة في أيلول 1882 عقب هزيمة أحمد عرابي في موقعه التل الكبير, وأصبحت منذ ذلك الحين مأوى لقواته وهي: معسكرات العباسية وقصر النيل والقلعة, وعقب الزيادة الكبيرة التي طرأت على حجم القوات البريطانية في مصر عند مشوب الحرب العالمية الثانية القيادة البريطانية عدة معسكرات ضخمة ف منطقتي المعادي و حلوان .
ولم يكن الجنرال ستون قائد القوات البريطانية في مصر الذي عهد إليه مجلس الحرب بالقاهرة إعداد التجهيزات العسكرية لعملية حصار قصر عابدين في حاجة إلى من يرشده إلى حقيقة أوضاع الجيش المصري, فقد كان منذ أيام قلائل فقط بتولي رئاسة البعثة العسكرية البريطانية, وبالتالي فلديه أدق المعلومات والتفاصيل, وعندما رسم الجنرال ستون خطته في 4 شباط 42 كان أهم الأسس التي حرص على مراعاتها هو أن تتم عملية حصار قصر عابدين بطريقة مباغتة دون سابق إنذار والالتزام أثناء التجهيز لها بأعلى قدر من السرية والحيطة, كما وضع في تخطيطه ألا يستغرق من وراء ذلك إلى تجنب وقوع اشتباكات مسلحة بين القوات البريطانية التي عهد إليها بأمر تنفيذ العملية وبين وحدات مصرية حتى لا يتفاقم الموقف وينقلب الحال على مواجهة سافرة بين الجيشين تضطر إزاءها القيادة البريطانية إلى ضرب القوات المصرية ومعسكراتها برا وجوا, وبذا تتحول مصر من دولة حليفة طبقا لمعاهدة 36 يشترك جيشها في خطة الدفاع البريطانية لتصبح أرضا محتلة من جديد, مما سوف يؤدي بطبيعة الحال إلى تغيير جذري فى الوضع الاستراتيجي للقوات البريطانية في منطقة الشرق الأوسط, وقد ساعد على نجاح العملية طبقا للخطة المرسومة عاملان: أولهما حالة الإظلام التام التي كانت تسود القاهرة وقتئذ بسبب الغارات الجوية, وثانيهما بعد معسكرات الجيش المصري عن ميدان عابدين وتوزيع قواته في وحدات فرعية صغيرة مبعثرة, وفقا للواجبات المنوطة بها.
وضمانا لعدم تدخل أية قوات مصرية أثناء عملية حصار قصر عابدين, تم وضع دوريات بريطانية خفيفة الحركة مزودة بالأجهزة اللأسلكية لسد الطرق ما بين مناطق معسكرات الجيش المصري ومنطقة وسط القاهرة طوال المدة التي استغرقتها العملية, ولكن أنباء حصار الدبابات البريطانية لقصر عابدين في مساء 4 شباط لم تلبث أن أذاعت وانتشرت بسرعة في كل وحدات الجيش المصري, وأدى ذلك إلى ازدياد سخط الضباط ومضاعفة نقمتهم على الإنجليز, واعتبروا الحادث عدونا صارخا على استقلال البلاد وعلى كرامة الجيش, ونتيجة للإتصالات التي جرت بين الوحدات تم عقد اجتماع كبير في نادي الضباط بالزمالك بعد ظهر 7 شباط حضره ما يقرب من 500 ضابط من مختلف الرتب والأسلحة, وأخذ الضباط يتدارسون خلال الاجتماع الذي اتسم بالصخب والانفعال في الوسيلة التى ينبغى عليهم اتخاذها للثأر من الإنجليز ورد الإهانة التي جرحت كرامة الوطن وسمعة الجيش, ولم يلبث بعض المتحمسين من الضباط الشبان أن عرضوا اقتراحات متطرفة كانت تدعو إلى استخدام القوة والاصطدام بالإنجليز, رغم التفاوت الكبير في القوى التسليح بين الجيشين المصري والبريطاني مما كان سيؤدي إلى مجاوز رعيبة وعواقب وخيمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى