المقاومة في الأدب عبر التأريخ

المراقب العراقي/ متابعة…
استخدم تعبير المقاومة مرارا وتكرارا في توصيف الثورات التي قامت عبر التاريخ القديم والمعاصر ردا على الاحتلالات التي تتعرض لها بلدان من غزاة يجتاحونها بالقوة العسكرية ويستمرون في احتلالها مددا من الزمن. وهذا المفهوم يصاحبه مفهوم آخر ثقافي توصف به أدبيات هذا الشعب أو ذاك في اثناء مقاومته لتلك الاحتلالات. وهو مفهوم يمتد عميقا في التاريخ الذي نقف عليه وعلى صور منه في الشعر والنثر وليس التاريخ الذي يكتبه المؤرخون. صحيح أن الإبداع الأدبي من حيث وجوده سابق على وجود المقاومة أيا كانت في الزمان والمكان، بيد أن الإبداع يتجه تلقائيا نحو المقاومة مثلما تتجه البوصلة على وفق مشيئة الملاح.
ففي القديم عرف الأدب العربي صورا من المقاومة بالشعر، وخير مثال لهذا تلك القصيدة المطولة المنسوبة للقيط بن يعمر الإيادي التي وجهها لقومه محذرا من غزو الفرس لبلادهم في الحيرة وفي سائر الجزيرة العربية ، وفيها يقول:
يا قومُ لا تأمنوا إن كنتم غُيُرا على نسائكم كسرى وما جمعا
وقد قيل إن تلك القصيدة ألهبت المشاعر فكانت من الحوافز التي اندلعت على إثرها المعركة الكبيرة المعروفة في التاريخ بيوم ذي قار وهي التي انتصر فيها العرب على الفرس للمرة الأولى. وفي العصور التالية التي تعرضت فيها البلاد العربية للغزو المغولي والصليبي والفرنجي والاستعماري الأوروبي في المشرق وفي المغرب والأندلس اضطلع الشعر والنثر كلاهما بدورهما الفاعل في التصدي للغزاة ومقاومة العدوان. فأبو تمام يثني على المعتصم وعلى تغلبه على الروم في (عمورية) بوصفها معركة فاصلة تصدى فيها القائد العربي وجنده للروم بعد أن بلغت مسامعه استغاثة امرأة عربية قائلة وامعتصماه.
وقد غدت هذه الاستغاثة من الألفاظ التي تمجد الفعل المقاوم، وكتبت بوحي منها مسرحيات ونصوص كثيرة وأفلام ترى في نخوة المعتصم قدوة، وإلى ذلك يشير الشاعر عمر أبو ريشة في قصيدة:
رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتّم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم.
ولا تخلو قصائد أبي الطيب المتنبي من هذا الحس المقاوم، ولا روميات أبي فراس الحمداني. وفي زمن الحروب الصليبية التي امتدت نحو قرنين من الزمان شهدت بلادنا صراعا دمويًا عنيفا واحتلالات استمرت طويلا لفلسطين والساحل الشامي والقدس وأجزاء من شرق الأردن لم يكن الأدب في منأى عن تلك القوى التي واجهت المحتلين بالسيف. وقد غصت المصادر بالشعر والنثر الذي قيل وكتب في التصدي للصليبيين. واستطردت تورد الشواهد من ذلك الشعر الذي تبارى فيه وتنافس الشعراء على التعبير عما يجول في خواطرهم من مشاعر التحريض، والتطلع لإجلاء المعتدين.



