اراء

اتفاقيات جانتلمان بين السياسيين وداعش

 

فرات المحسن

في أعراف الحرب، وفي سياق المعارك على جبهات القتال، وعند حالة التأكد من كون القطعة العسكرية لن تستطيع الصمود أمام عدوها، حينذاك يكون قائد الوحدة العسكرية أمام ثلاثة خيارات، الأول المقاومة حتى الشهادة، أما الحالة الثانية فأنه يأمر جنوده بالانسحاب المنظم، وفي هذه الحالة عليهم أخذ قطع السلاح والعتاد والمعدات والآليات وإن تعذر سحب الآليات والمعدات الثقيلة يصار إلى تفكيكها أو تعطيلها أي إتلاف محركات الآليات والمعدات العسكرية الثقيلة وتخريب أو سحب صواعق الأسلحة والاعتدة.والحالة الثالثة الاستسلام وتلك تعد خيانة في الأعراف والقوانين العسكرية.

ولكن الذي حدث في الرمادي وقبله في الموصل، جاء مغايراً لجميع قواعد الحرب وأعرافها وسلوك القادة، فإخلاء الأماكن وتسليم السلاح تم باتفاق جنتلمان بين قادة الوحدات العسكرية وقادة الإرهاب، ليصل الأمر وبترتيب دقيق،جعل الوحدات العسكرية تترك مفاتيح تشغيل الآليات فوق الدشبول أو عند مكان التشغيل، كي لا يتعب الرفاق من الدواعش في فك كهربائية تلك الآليات وتشغيلها بواسطة الجطل، مثلما يطلق عليه بلغة أهل ميكانيك السيارات، وأيضا تم تسليم الدواعش صناديق العتاد وجميع الذخائر وأرزاق المعركة، وكانت جميعها في حالة جيدة لا بل لم تفتح بعد، أي سر مهر وصاغ سليم.

وحسب الاتفاقات الجانتلمان، بنسخها الأصلية المصادق عليها بين قادة العملية السياسية في العراق الحديث ورجال عصاباتهم من قادة الجيش والشرطة، فليست هناك حاجة لمحاسبة أو محاكمة أو إدانة لجريمة سياسية أو عسكرية. وحتى أن وجدت مثل هذه الجرائم، فالحكم على المذنب غيابيا، قرار مريح ومقنع وتوافقي للقضاء العراقي، الذي هو جزء من الصفقة الكبرى، ويأخذ الحكم عند صدوره الدرجة القطعية مسبقاً، لينتهي الأمر عند هذا الحد.ولأن القضاء العراقي متواطئ وهزيل، فكردستان دائما ما تكون ملجأ أمناً وعيشاً رغيداً. وصدور الأحكام غيابيا يعني أنه قابل للمساومة، والمال يفقأ العيون.

على وفق قواعد اللعبة وتقاسم السلطة بالمحاصصة وعلى وفق قاعدة “طمطملي وأطمطملك، وشيلني وأشيلك” لن يخرج هناك خاسر، ولن يقدم كبش فداء أو يعلن قرار حكم وقطعا لن يوجه اتهام، ولن يدان شخص حتى وأن تسبب بمقتل الآلاف وسقوط مدن. ولتدارك الوضع سوف يتم اخراج مسرحيات تستوعب ثقل الحدث وتعمل على تفتيته، وتغلق أذانها عن الخبثاء من مثيري الشغب ومروجي الشائعات والباحثين عن الإثارة. ولا ضير هناك من وجود عدد كبير من الضحايا، فلكل حادث قرابين كي يسمى حادث وتضاف له كلمة مروع، بعدها يستفيد السياسي من الحادث ليتخذه شعارا استعراضيا وصورني وأني ما ادري. ولا يخلو مثل هذا الحادث المسمى بالمروع من وجهات نظر تفسر الواقعة بما تشتهي الأنفس، ولن تعتمد نتائج التحقيقات وقبلها مساراتها على غير تلك القواعد. فيستطيع أي شخص يستدعى لأخذ إفادته أمام لجان التحقيق، الامتناع عن تقديم شهادته، وحتى الطعن بدستورية اللجان أو مخاصمتها وتوجيه الاتهام لها بالتحيّز والمغالاة والتطرف. فهو شخصيا أكبر من أن يطلب منه حضور جلسات مسائلة أو إدلاء بشهادة. فهو فوق الشبهات لذا يترفع أن يسأله أحد عن واقعة ليست في وارد اهتماماته، ولن يجيب على أسئلة توجه له من قبل من هم اقل شأنا منه وأدنى رتبة من معاليه. وإن تعاطف مع الأحداث فيستطيع أن يستدعي اللجنة للحضور أمام معاليه، ليسألها بدوره عن نتائج التحقيق التي توصلت اليها.

بعد كل هذا وذاك فالمخرج الوحيد لإبعاد كل هذا الضجيج عن حوادث وجرائم راح جراؤها آلاف من البشر وضاعت مدن، يعتمد على ذاكرة العراقي المثقوبة لا بل المتهرئة، التي لا تحتفظ بسجلات لموتاها وتنسى بكل بساطة فواجعها. ومثلما تجرعت ورمت وراء ظهرها جرائم صدام وحزبه الكبرى، نجدها اليوم تتلذذ بنسيان حتى أماكن ووقائع الجرائم التي ارتكبت بحقها. وهذه الذاكرة المعطوبة استطابت مرض الزهايمر الذي ينخر ليس فقط العقول بل مجمل تأريخ بلد أسمه العراق.

ولنا معكم في الانتخابات المقبلة موعد، لنختبر فيه ليس فقط ذاكرة شعبنا، إنما قيمه وأخلاقه، ولنشهد التاريخ على ذاكرة وقيم هذا الشعب.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى